عقدت أمس القمة العربية الطارئة في القاهرة، التي دعت إليها مصر من منطلق مسؤوليتها القومية التاريخية، في أعقاب صدور تصريحات أخذت في بدايتها شكل المقترح، ثم تحولت إلى مخطط واضح المعالم تتشارك فيه كل من واشنطن وتل أبيب لإجبار سكان قطاع غزة على التهجير إلى كل من مصر والأردن ودول أخرى، بعدما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أبدى رغبته في تحويل القطاع إلى “ريفييرا” شرق أوسطية، وملاذ لأثرياء العالم، فوق الدمار الهائل وأشلاء عشرات الآلاف من الشهداء، وتحول مساحات شاسعة منه الى “مقابر” جماعية، إذ سبق لترامب أن أكد أنه “لا ينبغي إعادة إعمار القطاع ومن ثم إعادة القوة نفسها للسيطرة على المنطقة ليعود السكان الى العيش عيشة مأساوية”، مضيفاً: “إن السبب الوحيد وراء رغبة الفلسطينيين في العودة إلى غزة هو عدم وجود بديل”.
وتزامن إنعقاد القمة العربية مع استعداد حكومة الاحتلال لتطبيق ما أطلقت عليه هيئة البث الاسرائيلية “خطة الجحيم” أو خطة “الضغط القصوى” على حركة “حماس”، لتقبل بتمديد المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، والذي كان من المقرر أن تنطلق المرحلة الثانية لتنفيذه في اليوم الثاني والأربعين، إذ توغلت أمس الأول آليات عسكرية تابعة لجيش الاحتلال شمال شرق مدينة رفح الفلسطينية، واستشهد 8 فلسطينيين وأصيب العشرات في هجمات بمسيرات الاحتلال شرق خان يونس وبيت حانون، وفي الوقت نفسه، واصل جيش الاحتلال إغلاق معبر كرم أبو سالم جنوب شرق غزة ومنع إدخال المساعدات الدولية، علماً أن البيت الأبيض أعلن دعمه لحكومة الاحتلال في قرارها وقف دخول المساعدات إلى غزة، وذلك بالتوازي مع كشف رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال كلمة أمام الكنيست أن إسرائيل تستعد للمراحل التالية لما يسميها “حرب النهضة”، وأنه لن يكون هناك توقف قبل تحقيق جميع الأهداف، وعودة الرهائن كافة، وتدمير “حماس”، وضمان أن غزة لن تشكّل تهديداً، متوعداً “حماس” بعواقب “لا يمكن أن تتصوّرها” ما لم تفرج عن الرهائن في قطاع غزة.
كل هذه التطورات المأزومة، تجعل الغموض يكتنف الاتفاق، بين التمديد أو الانتقال إلى المرحلة الثانية، وسط تهديدات نتنياهو، مع بوادر تشير إلى وصول المفاوضات بشأن ذلك إلى طريق مسدود، خصوصاً عقب استكمال مخططات قضم وضم غزة والضفة، التي جرى إعدادها قبل عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، والتي حظيت فى الآونة الأخيرة بمساندة إدارة ترامب، إذ إن حكومة نتنياهو وضعت على رأس أجندتها التهام ما تبقى من فلسطين التاريخية، بحيث لا تتبقى أرض أو حقوق للشعب الفلسطيني الذي يتعين عليه الرحيل إلى مصر والأردن، ويترك ترابه الوطني لعربدة الاحتلال الصهيوني، إعتماداً على منهجية القوة العسكرية المفرطة، لا سيما بعد أن تلقت تل أبيب شحنة من القنابل الثقيلة والذكية ضمن صفقة قنابل وصواريخ ومعدات بقيمة 7.4 مليارات دولار، وافق عليها ترامب بعد أن رفضها الرئيس السابق جو بايدن.
إزاء هذه الصورة “السوداوية” المحفوفة بالمخاطر لجهة تصفية القضية الفلسطينية، لا خيار أمام القمة العربية سوى تبني مشروع بديل لمخطط تهجير الفلسطينيين، يتسم بأكبر مساحة من الأبعاد العملية والعقلانية والتخطيطية عبر مراحل محددة، يقوم على إعادة الإعمار في غزة مع بقاء الفلسطينيين على أرضهم، وذلك على نحو يكرّس حالة جديدة ومغايرة من الاصطفاف والتوافق العربي المطلوبة بقوة في هذه المرحلة لوقف هذا السيل، الذي لم ينقطع منذ عودة ترامب الى البيت الأبيض، مما يطلق عليه البعض “الضغوط القسرية” لتهجير الفلسطينيين من غزة، خصوصاً وأن القمة أتت تتويجاً للاجتماعات العربية التي عقدت في الآونة الأخيرة، سواء الاجتماع التشاوري الذي عقد في الرياض بمشاركة مصر والأردن وقادة دول مجلس التعاون، أو الاجتماع الذي عقده وزراء الخارجية العرب أمس الأول في مقر الأمانة العامة للجامعة العربية، ما يوفر البيئة السياسية لبلورة كل متطلبات إنجاح مشروع إعادة إعمار غزة ورفض التهجير.
وعليه، فإن قمة القاهرة هي محطة إستثنائية وسط هذا الخطر الداهم بتصفية القضية الفلسطينية، لتأكيد الالتزام العلني برفض أي خطط للتهجير، وحماية للقضية الفلسطينية من محاولات التصفية التي تستهدفها من واشنطن وتل أبيب، وذلك بلغة محددة وواضحة وقاطعة، لا أن يكون بيانها الختامي مجرد إجراء مؤقت من دون رؤية سياسية واضحة، لا سيما أن الواقع العربي والاقليمي في ظل السياسات الأميركية الجديدة، يتطلب من القادة العرب إدراك ضرورة تشكيل موقف موحد متماسك، لأن تصفية القضية الفلسطينية، لن تقتصر آثارها على الفلسطينيين وحدهم، بل ستمس الأمن القومي العربي برمته.


