الحجار يفتح باب ملف المرفأ… الشرع يتفق مع “قسد” ويتعهد بالمحاسبة

لبنان الكبير / مانشيت

في بلدٍ اعتاد أن تُدفن الحقائق تحت ركام التسويات، يفتح القرار الجريء للنائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار باباً جديداً في جدار ملفّ انفجار مرفأ بيروت، الذي لطالما كان شاهداً على صراع بين سلطة تريد طمس الحقيقة وقضاء يسعى الى انتزاعها. إبطال قرار تجميد التعاون مع المحقق العدلي القاضي طارق البيطار لم يكن مجرد خطوة إجرائية، بل زلزال هزّ أركان المشهد السياسي والقضائي، مُعيداً التحقيق إلى مساره الطبيعي، ومُهدداً بإعادة رسم معادلة القوة بين الدولة العميقة وسلطة القانون.

في سوريا وجّه الرئيس أحمد الشرع أصابع الاتهام إلى فلول النظام السابق ودولة أجنبية لم يسمّها، محمّلاً إياهم مسؤولية إشعال العنف في الساحل السوري. واعتبر أن هذه الأحداث تهدد مساعيه للمّ شمل السوريين، محذراً من أن حمام الدم الذي شهده بعض المناطق لن يمر من دون محاسبة.

وأكد الشرع أن كل من تورط في أعمال القتل والانتقام، حتى لو كانوا “أقرب الناس إليه”، سيخضع للمساءلة، مشدداً على أن سوريا الجديدة ستُبنى على أسس العدالة، بعيداً من منطق الثأر والطائفية. كما أعلن عن تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في الأحداث، في خطوة تهدف إلى استعادة الثقة وتعزيز الاستقرار في البلاد.

تحول مفاجئ في ملف انفجار المرفأ

أبطل القاضي جمال الحجار، قرار سلفه غسان عويدات بإيقاف التعاون مع القاضي طارق البيطار، ما أعاد الزخم الى التحقيقات المجمّدة منذ أكثر من عامين. وجاء هذا القرار على الرغم من الدعاوى العديدة المرفوعة ضد البيطار، الذي يصرّ على استكمال التحقيق من دون استثناء السياسيين أو القضاة.

أثار القرار صدمة في الأوساط السياسية والقضائية، مع توقعات باستئناف البيطار إصدار مذكرات توقيف، خصوصاً مع اقتراب جلسات استجواب قادة أمنيين وسياسيين، أبرزهم رئيس الحكومة السابق حسّان دياب. وشهد قصر العدل في بيروت تحركات مكثفة من محامين وممثلي الأطراف المعنية، في محاولة لفهم تداعيات القرار الجديد.

ربط بعض المراقبين الخطوة بمتغيرات سياسية، منها تقلّص نفوذ “حزب الله” بعد الحرب الاسرائيلية الأخيرة، لكن الحجار أكد أن قراره يأتي لعدم تعطيل التحقيق في أكبر جريمة شهدها لبنان.

ترافق هذا التطور مع اجتماعات مكثفة في القضاء والحكومة لبحث آليات استئناف التعاون بين النيابة العامة والمحقق العدلي، وسط دعوات للإسراع في التعيينات القضائية لاستكمال التحقيقات والبت في الدعاوى العالقة ضد البيطار، بما فيها دعوى سلفه عويدات بتهمة “انتحال صفة محقق عدلي”.

على الرغم من العرقلة السابقة، استأنف البيطار تحقيقاته بعد 13 شهراً من التوقف، مستنداً إلى اجتهاد قانوني يمنع ردّ المحقق العدلي. قراراته أثارت مواجهة مباشرة مع عويدات، الذي ردّ بإطلاق سراح جميع الموقوفين ومنع البيطار من السفر.

ومن المقرر أن تُعقد جلسات جديدة لاستجواب مسؤولين أمنيين وسياسيين بارزين، ما قد يعيد خلط الأوراق مجدداً في ملف الانفجار، الذي لا يزال أحد أكثر القضايا حساسية في المشهد اللبناني.

الشرع يعد بالمحاسبة

في الشأن السوري، أكد الرئيس أحمد الشرع أن عمليات القتل الجماعي لأفراد من الطائفة العلوية تهدد جهود إعادة توحيد البلاد، متوعداً بمحاسبة المسؤولين عنها، حتى لو كانوا من المقربين إليه. جاء ذلك خلال مقابلة مع وكالة “رويترز”، حمّل فيها جماعات موالية للأسد، بدعم أجنبي، مسؤولية اندلاع الاشتباكات الأخيرة، معترفاً بحدوث أعمال انتقامية.

وأشار الشرع إلى أن حكومته لم تتواصل مع واشنطن منذ تولي دونالد ترامب منصبه، داعياً الى رفع العقوبات الأميركية. كما طرح إمكان إعادة العلاقات مع موسكو، على الرغم من محاولتها الاحتفاظ بقاعدتين عسكريتين في سوريا. ورفض انتقادات إسرائيل التي استولت على أراضٍ سورية، مؤكداً سعيه الى حل الخلافات مع الأكراد عبر الحوار.

وشدد الشرع على أن الانتهاكات الأخيرة كانت فرصة للانتقام من مظالم قديمة، لافتاً إلى مقتل 200 من أفراد الأمن خلال الاضطرابات، بينما تحدث “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن مقتل نحو 973 مدنياً علوياً في هجمات انتقامية. ووصف القصر الرئاسي بأنه “مكان يضيق به”، متعجاًا من الشرّ الذي خرج منه تجاه المجتمع.

واعتبر الشرع أن أحداث العنف الأخيرة تمثل انتكاسة لمساعيه لنيل الشرعية الدولية ورفع العقوبات الغربية، لكنه أكد أنه سيعمل على إعادة الاستقرار. وأعلن عن تشكيل “لجنة مستقلة” للتحقيق في أعمال القتل، وأخرى للحفاظ على السلم الأهلي، محذراً من أن “الدم لا يجلب إلا المزيد من الدم”.

وأشار إلى أن الاضطرابات في الساحل السوري أجبرت الآلاف على الفرار، محمّلاً مسؤولية تأجيج العنف لوحدات عسكرية سابقة موالية لماهر الأسد وقوى أجنبية لم يسمّها، لكنه ألمح إلى إيران التي لا تزال سفارتها في دمشق مغلقة. كما رأى أن الاستقرار الاقتصادي مرتبط برفع العقوبات الأميركية، مشيراً إلى اتفاق مع موسكو لمراجعة الاتفاقيات السابقة بين البلدين.

اتفاق تاريخي مع الأكراد

وفي خطوة لافتة، أعلن الشرع وقائد “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)، مظلوم عبدي، عن اتفاق يقضي بدمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية، بما يشمل المؤسسات المدنية والعسكرية والمعابر الحدودية وحقول النفط والغاز.

وينص الاتفاق، الذي يتألف من ثمانية بنود، على ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل السياسي من دون تمييز، مع الاعتراف بالمجتمع الكردي كمكون أصيل في الدولة السورية. كما تم الاتفاق على وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية وتأمين عودة المهجرين تحت حماية الدولة.

وأكد الطرفان رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية، مشددين على ضرورة التنسيق لإنهاء التهديدات الأمنية، بما في ذلك فلول النظام السابق. ومن المقرر أن تبدأ اللجان التنفيذية بتطبيق الاتفاق قبل نهاية العام الحالي.

شارك المقال