في مشهد متناقض يجمع بين المبادرات الديبلوماسية والتصعيد الميداني، أفرجت إسرائيل، أمس، عن خمسة محتجزين لبنانيين، في خطوة وصفتها تل أبيب بأنها “بادرة حسن نية” تجاه لبنان، بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع تحركات دولية لإطلاق مفاوضات تهدف إلى حل النزاعات الحدودية بين الطرفين، وفق ما كشفت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، بينما يصر لبنان على استكمال انسحاب القوات الاسرائيلية من الأراضي المحتلة جنوباً.
لكن هذه الاشارة الديبلوماسية لم تمنع إسرائيل من مواصلة خروقها العسكرية، بحيث نفّذت ضربات جوية جديدة في الداخل اللبناني، مستهدفة عناصر تابعة لـ”حزب الله”. ومع احتفاظ إسرائيل بخمس نقاط استراتيجية في الجنوب اللبناني، واستمرار انتهاكاتها الجوية والبرية، تبدو خطوة الإفراج عن الأسرى كأنها خطوة تكتيكية ضمن استراتيجية إسرائيلية أوسع.
إسرائيل تفرج عن 5 محتجزين
أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس جوزاف عون تبلّغ رسمياً تسلّم لبنان أربعة أسرى احتجزتهم إسرائيل خلال الحرب الأخيرة، على أن يتم تسليم الأسير الخامس في اليوم التالي. وجاء هذا التطور بعد بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، أكد فيه أن إسرائيل قررت الإفراج عن خمسة معتقلين لبنانيين “بالتنسيق مع الولايات المتحدة وكبادرة حسن نية تجاه الرئيس اللبناني الجديد”.
ووفق المعلومات فان هؤلاء المعتقلين ليسوا أسرى حرب بالمعنى التقليدي، بل مدنيون احتجزتهم القوات الاسرائيلية خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة بعد وقف إطلاق النار. فقد اعتُقل بعضهم خلال عمليات التوغل الاسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، أثناء تفجير مواقع عسكرية تابعة لـ”حزب الله”، بينما يُعتقد أن أحدهم على الأقل مرتبط بالجناح العسكري للحزب.
اجتماع الناقورة.. خطوة نحو حل النزاع الحدودي؟
جاء الافراج عن الأسرى عقب اجتماع عُقد في بلدة الناقورة الحدودية، ضم ممثلين عن الجيش الاسرائيلي ولبنان والولايات المتحدة وفرنسا. ووفقاً لبيان صادر عن مكتب نتنياهو، تم الاتفاق على تشكيل ثلاث مجموعات عمل مشتركة، تُعنى بحل النزاعات الحدودية العالقة، ومناقشة انسحاب إسرائيل من خمس نقاط لا تزال تحتلها في الجنوب اللبناني، إضافة إلى ترتيبات أخرى تهدف إلى ضمان “استقرار المنطقة”.
ووفق ما سرّبت مصادر ديبلوماسية لوسائل الاعلام، فإن واشنطن تلعب دور الوسيط الرئيسي بين الجانبين، بحيث تحاول الدفع باتجاه مفاوضات مباشرة، ليس لحل النزاع الحدودي وحسب، ولكن أيضاً لإرساء اتفاق طويل الأمد يمنع اندلاع مواجهة جديدة بين إسرائيل و”حزب الله”. وأكدت نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، مورغان أورتاغوس، في مقابلة مع قناة “الجديد”، أن بلادها تسعى “للتوصل إلى حل سياسي للنزاع الحدودي”، مشيرةً إلى أن المفاوضات ستبدأ قريباً برعاية أميركية ودولية.
تصعيد ميداني رغم الجهود الديبلوماسية
وعلى الرغم من التحركات الديبلوماسية، فإن إسرائيل لم تتوقف عن انتهاكاتها داخل الأراضي اللبنانية. فقد شنّت طائرات مسيّرة غارات استهدفت سيارات في منطقتي وادي دير الزهراني ووادي فرون – كفرصير، ما أدى إلى مقتل شخص قالت وسائل إعلام إسرائيلية إنه مسؤول في وحدة الدفاع الجوي لـ”حزب الله”. ونقلت إذاعة الجيش الاسرائيلي عن مصدر أمني قوله إن “الهدف كان شخصية بارزة في المنظومة الدفاعية للحزب، في إطار جهود إسرائيل لمنع إعادة بناء قدراته العسكرية في الجنوب”.
ولم تقتصر الانتهاكات الاسرائيلية على الضربات الجوية، إذ أطلقت القوات الاسرائيلية النار باتجاه مدرسة في بلدة رامية الحدودية، ما كاد أن يؤدي إلى سقوط ضحايا في صفوف الأهالي الذين يستخدمون المبنى كمقر لتقديم الخدمات. وأُفيد بأن جنوداً إسرائيليين اقتربوا من المدخل الشرقي للبلدة، ووجّهوا أسلحتهم نحو المدرسة، في خطوة وصفت بأنها “رسالة ترهيب واضحة” للسكان.
تحركات ديبلوماسية لبنانية ضد الانتهاكات
في مواجهة استمرار الخروق، يكثف لبنان تحركاته الديبلوماسية للضغط على إسرائيل للالتزام بوقف إطلاق النار. فقد استقبل وزير الخارجية يوسف رجي السفير الفرنسي في بيروت هيرفيه ماغرو، الذي شدد على “التزام فرنسا الثابت بدعم لبنان”، فيما أكد رجي ضرورة “ممارسة كل الضغوط الممكنة لإجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف انتهاكاتها للسيادة اللبنانية”.
واستقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري سفراء “اللجنة الخماسية”، التي تضم السعودية، الولايات المتحدة، فرنسا، قطر ومصر، وجرى بحث التطورات في الجنوب، وسط تأكيد أهمية تنفيذ إسرائيل لكامل التزاماتها بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال السفير المصري علاء موسى، عقب اللقاء، إن “ما يحدث في الجنوب يؤثر على استقرار لبنان بأسره”، مشيراً الى أن “اللجنة الفنية المكلفة متابعة وقف الأعمال العدائية تعمل على التوصل إلى صيغة تضمن الانسحاب الاسرائيلي الكامل”.
المفاوضات المرتقبة.. إلى أين؟
إلى ذلك، نقل موقع “أكسيوس” الأميركي، عن مصدر رفيع أن واشنطن تقود جهوداً مكثفة لإطلاق مفاوضات بين لبنان وإسرائيل بشأن النزاع الحدودي. وبحسب المصدر، فإن هذه المفاوضات ستتناول ثلاث قضايا رئيسية هي: النزاعات الحدودية البرية، بما في ذلك النقاط الخمس التي لا تزال تحت السيطرة الاسرائيلية، قضية المحتجزين اللبنانيين، بحيث تسعى بيروت إلى استعادة جميع مواطنيها المعتقلين لدى إسرائيل، وشروط انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها.
وأشار المصدر الى أن إدارة ترامب تأمل في بدء هذه المفاوضات بحلول الشهر المقبل، على أن تقودها مجموعات عمل تضم ديبلوماسيين من الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل.


