العيدية… هدنة هشة للعرب

لبنان الكبير / مانشيت
سكان غزة
عائلات فلسطينية تغادر القطاع الشرقي من قطاع غزة على الحدود مع إسرائيل عقب غارات جوية (أ.ف.ب)

بين ركام الذكريات الدامية وومضات الأمل العابرة، يطل عيد الفطر على لبنان كشاهد على مفارقة وجودية: شعب يحتفل بالخلاص الروحي بينما تحاصره أزمات مادية وسياسية تذكره بأن السلام هنا ضيف هش. فبعد يوم من الترقب الموجع خوفاً من انفجار جبهة الجنوب، تتناثر فرحة العيد بين أنقاض الضاحية الجنوبية التي لا تزال تنضح برائحة الغارات الاسرائيلية الأولى منذ أشهر، وكأنما العيد مجرد هدنة مؤقتة في حرب الاقليم الطويلة. يأتي العيد هذا العام وفلسطين تعاني من نتائج “طوفان الأقصى” الذي أصبح دماراً أقسى، فيما تحاول سوريا النهوضَ من تحت ركام النظام الأسدي، أما لبنانُ الحلقةُ الأضعفُ في سلسلةِ الصراعاتِ الشرق أوسطية فيحاول التملصَ من دوامة التصعيد الاسرائيلي المتعمد، المتسلح بيد دونالد ترامب الغليظة لوضع لبنان على سكة التطبيع.

على الصعيد السياسي، تتباين التصريحات: رئيس الجمهورية جوزاف عون يعود من باريس بعد محادثات مع الرئيس ايمانويل ماكرون حول الضغط على إسرائيل لاحترام اتفاق وقف إطلاق النار، بينما يعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري اعتذاره عن عدم تقبل التهاني بالعيد احتجاجاً على استمرار العدوان الاسرائيلي. وفي المقابل، ينفي “حزب الله” أي علاقة له بإطلاق الصواريخ من الجنوب، في وقتٍ تجري فيه مخابرات الجيش مداهماتٍ ليليةً للبحث عن المشتبه بهم.

ولا تغيب الأزمة الاقتصادية عن المشهد، فـ”الهبة العراقية” – وقودٌ لستة أشهر – تبقى مجرد مسكّنٍ مؤقتٍ لأزمة كهرباءٍ يعود سببها الرئيسي إلى عقود من الفساد، بينما تُناقش النخبة السياسية إجراء الانتخابات البلدية في موعدها، وسط رفضٍ شعبيٍّ لأي تأجيلٍ يُذكّر بسنوات التعطيل.

الخروق الاسرائيلية مستمرة

ميدانياً، عمدت مسيرة اسرائيلية الى القاء قنبلتين صوتيتين في اتجاه تجمع للأهالي في ساحة بلدة يارون في قضاء بنت جبيل. وتعرض الحي الشرقي في كفرشوبا لرمايات رشاشة بالأسلحة الثقيلة من موقع اسرائيلي في التلال المحتلة المشرفة ما أدى إلى تضرر عدد من السيارات والمنازل. وخرق الطيران الحربي جدار الصوت على دفعتين في أجواء البقاع الغربي وتردّد صداه في منطقتي الشوف وعاليه. وفي بيروت، عاشت الضاحية الجنوبية، أمس، هدوءاً حذراً غداة الغارات التي استهدفتها. الهدوء خرقه تحليق الطيران الاستطلاعي الاسرائيلي على علو منخفض جدّاً فوق العاصمة بيروت وضواحيها وفوق بشامون، عرمون، خلدة، الشويفات والجوار.

عون: دخلنا مرحلة جديدة

الى ذلك، ومع عودته من باريس، حيث شدد خلال لقائه الرئيس ماكرون على ضرورة الضغط على اسرائيل لوقف تصعيدها والتقيد باتفاق وقف النار، معلناً أن لبنان وجيشه ينفّذانه غير أن جمع السلاح لا يحصل بين ليلة وضحاها، أكد رئيس الجمهورية خلال تهنئته اللبنانيين بعيد الفطر “أننا دخلنا اليوم في مرحلة جديدة من تاريخ وطننا، بعد عقود من العنف والحروب والأزمات الاقتصادية والمالية وترهل كيان الدولة، وأن لا عودة إلى الوراء لمن يحسب أن همتنا ستتراخى، وعزمنا سيلين، لتحقيق ما عاهدت نفسي واللبنانيين على تحقيقه، بالتكاتف والتعاضد مع الحكومة والمجلس النيابي وقوى المجتمع المدني”.

وعبَّر الرئيس عون عن ايمانه الراسخ بأن ما يميز لبنان هو التمسك بقيم الوحدة والتعاضد والترفع عن الأنانيات والمصالح الشخصية التي تدعو اليها الأديان السماوية. وقال: “لا خلاص للبنان إذا لم نعش وفق هذه القيم، التي تشكل السبيل الوحيد، إلى جانب تنفيذ القوانين وإحقاق العدالة، لمحاربة الفساد وتحقيق الاصلاحات البنيوية في مؤسساتنا الوطنية والنهوض بلبنان لمجاراة التطور والحداثة في العالم”.

بري يعتذر عن عدم تقبل التهنئة

في السياق نفسه، أعلن الرئيس بري، الذي استقبل السفير الايراني مجتبى أماني، إعتذاره عن عدم تقبل التهاني بعيد الفطر المبارك بسبب الأوضاع الراهنة في لبنان والمنطقة جراء مواصلة إسرائيل إعتداءاتها على لبنان وجنوبه، وتماديها في خرق إتفاق وقف اطلاق النار وبنود القرار ١٧٠١ وإستمرار حرب الابادة التي تشنها على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية.

خطر وجودي

وبينما كان ملفا ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا والنازحين السوريين، مدار بحث في اجتماعات باريس والرياض، أكد وزير المهجرين ووزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الصطناعي كمال شحادة، في حديث تلفزيوني أن “هناك اليوم في لبنان دولة ترعى عودة اللاجئين وهناك مسؤولية على المجتمع الدولي في المساعدة على عودة السوريين الى بلادهم والمساعدة في بناء الاقتصاد السوري، وهذا ما يصب في مصلحة المنطقة ككل والدول العربية”، معتبراً أنه “إذا كان هناك عدم استقرار في بعض المناطق السورية فهذا يعني عدم استقرار في المنطقة، كما أنه لا يبرر عدم وجود بحث جدي في عودة السوريين الى وطنهم”.

ورأى شحادة أن “هذا الأمر يجب أن يُبحث بين الدولتين كما حصل في الاتفاق على ترسيم الحدود الذي رعته المملكة العربية السعودية، على أن يستكمل البحث في المواضيع الشائكة كافة بين البلدين”، مشيراً الى أن “الموقف الرسمي اللبناني هو أن وجود السوريين بأعداد كبيرة يشكل عبئاً اقتصادياً وخطراً وجودياً على لبنان، وهذا يشكل عدم استقرار لكل الدول العربية ومن مصلحتها اعادة السوريين”.

عيدية عراقية

حياتياً، خلال استقباله المديرَ العام للأمن العام اللواء حسن شقير وعرض معه للأوضاع العامة والمستجدات الأمنية والميدانية، أجرى الرئيس بري إتصالاً هاتفياً برئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، شاكراً العراق على المساعدات التي قدمها ويقدمها لا سيما تقديمه تسهيلات كبيرة لتزويد لبنان بالمشتقات النفطية. وأكد السوداني خلال الاتصال الموافقة على تزويد لبنان بالوقود لمدة 6 أشهر.

الانتخابات البلدية

على صعيد آخر، تفاعلت أمس قضية طلب بعض النواب ارجاء الانتخابات البلدية. وكتب نائب رئيس حزب “القوات اللبنانية” النائب جورج عدوان عبر منصة “أكس”: “لبنان يعيش مرحلة جديدة يجب أن ينتظم فيها عمل المؤسسات وأن تجري فيها الاستحقاقات في مواعيدها الدستورية وأن نطوي صفحة التأجيل والتعطيل التي دامت سنوات طويلة. نحن نؤكد على إجراء الانتخابات البلدية في مواعيدها ونعارض أي تأجيل ونثمّن سعي وزير الداخلية أحمد الحجار وجهوده لضمان جهوزية وزارته لمواكبة هذا الاستحقاق”.

أما النائب آلان عون فكتب على “اكس”: “على الرغم من أهمية فكرة اللوائح المقفلة في المدن، إلا أنها لا تعلو على أهمية إجراء الاستحقاقات الانتخابية في مواعيدها. لم يصدّق اللبنانيون أن انتظام المؤسسات عاد منذ انتخاب الرئيس وتشكيل حكومة بعد انقطاع طويل، وهم غير مستعدّين للعودة الى زمن اللااستقرار. لا لأي تأجيل للانتخابات البلدية”.

شارك المقال