بيروت تخلع الأعلام والملصقات… بانتظار السلاح

لبنان الكبير / مانشيت

بيروت تُنظّف شوارعها. تخلع الأعلام واللافتات والصور والشعارات الحزبية التي طالما اختزلت العاصمة في زوايا طائفية ضيقة، وألبستها وجوهاً لا تشبهها. بتوجيهات من وزير الداخلية القاضي أحمد الحجار، وبمتابعة من محافظ بيروت مروان عبود، انطلقت الحملة لإزالة المخالفات من وسط المدينة حتى المدينة الرياضية. عنوان المرحلة: بيروت مدينة بلا رايات. بلا قديسين ولا “مقاومين” على الجدران. بلا طوائف معلّقة على أعمدة الكهرباء. بيروت المدنية.

لكن خلف مشهدية إزالة الشعارات، ثمّة ما هو أعمق من ترتيب المشهد البصري. هي لحظة إسقاط رمزي للأمر الواقع، إيذاناً بتحوّل وطني لا يتوقف عند حدود العاصمة، بل يمتد إلى عمق المعادلة اللبنانية: تفكيك البنية المسلحة خارج الدولة. فحين تُزال راية حزب، لا يُقصد فقط تحرير ملك عام، بل تمهيد الأرض لسيادة شاملة، تبدأ من الصورة وتنتهي بالسلاح.

رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لم يترك الأمر للتأويل. 2025 هو عام حصر السلاح بيد الدولة. لا شعارات بلا بنادق. ولا دولة تنهض تحت ظل سلاحين. إنها بداية النهاية لسلاح “حزب الله”، بهدوء مُتفق عليه، وبضمانات داخلية وخارجية، وبرعاية عربية نشطة. مرحلة “ما بعد السلاح” انطلقت. والسلاح، كما بعد الطائف، إلى مؤسسة الجيش أو إلى الإلغاء.

إنها لحظة فارقة. لحظة قررت فيها بيروت أن تتخلى عن رموزها البصرية في انتظار قرار أكبر: سحب السلاح من الشوارع والظلال. فهل يتركها الإقليم تمرّ بسلام؟ أم أن خلْع الملصقات هو بداية معركة رمزية طويلة… عنوانها: من يربح بيروت؟

لكن، وبينما تنطلق بيروت في مسار الانعتاق من هيمنة السلاح غير الشرعي، تُرمى على الطريق علامات تشويش ومحاولات تشويه. في الأردن، تم الكشف عن مخطط أمني معقّد، شمل تصنيع صواريخ وتجهيز طائرات مسيّرة. المفاجأة كانت في البيان الرسمي الذي أشار إلى أن بعض عناصر المخطط تلقى تدريبات في لبنان. العبارة خافتة لكنها ثقيلة. فهل المطلوب إعادة إلصاق صورة لبنان بوصفه “منصة تصدير للفوضى”؟

الرسائل كثيرة، والتوقيت دقيق. بين بيروت التي تتهيّأ لـ”زمن الدولة”، وعمان التي يُراد لها أن تنزلق إلى “زمن الاستهداف”، ثمّة محاولة واضحة لتخريب النموذج الجديد. ليست صدفة أن يُكشف عن هذا الرابط الأمني في وقت يتحرّك فيه لبنان نحو إنهاء زمن السلاح، وفي ظل انكشاف مستمر للخرق الاسرائيلي الهمجي للهدنة الهشة، والذي خلّف عشرات الضحايا المدنيين. فمن يُعاقب لبنان؟ من لا يُريد له أن يتحرّر من فائض العنف وفائض العمالة؟

لكن الرسالة اللبنانية كانت حاسمة. اتصال رئيس الحكومة نواف سلام بنظيره الأردني جعفر حسان لم يكن مجاملة ديبلوماسية، بل تأكيد للموقف الجديد: لا منصة ولا معبر ولا مقرّ لأي مشروع يهدد الأشقاء. لبنان الذي يخلع الملصقات لا يفعل ذلك تجميلاً، بل تأسيس لشرعية جديدة. لبنان الذي يطوي سلاحه لا يفعل ذلك ضعفاً، بل إصرار على الخروج من معسكرات الدم الاقليمي.

استهداف إسرائيلي جديد

ميدانياً، واصل الجيش الاسرائيلي انتهاكاته، إذ نفّذت طائرة مسيّرة غارة جوية على مفترق سمخيا في بلدة عيترون – قضاء بنت جبيل، مستهدفة سيارة من نوع “رابيد” بثلاثة صواريخ موجهة، وأدت إلى استشهاد شخص وجرح ثلاثة آخرين بينهم طفل، وفق بيان مركز عمليات طوارئ الصحة العامة. الجيش الاسرائيلي أعلن من جهته أنه استهدف قائد فرقة في وحدة العمليات الخاصة التابعة لـ “حزب ال”له، بينما عمد إلى إطلاق نار ترهيبي باتجاه ميس الجبل في الجنوب.

جولات رئاسية: من أمن الدولة إلى وزارة الدفاع

وقبيل توجهه إلى قطر، واصل الرئيس عون جولاته على المؤسسات الأمنية، فزار أولاً المديرية العامة لأمن الدولة في الرملة البيضاء، حيث ترأس اجتماعاً أمنياً، مشدداً على دور الجهاز في محاربة الفساد ومنع الرشاوى. وقال بالحرف: “كونوا سفراء أمن الدولة عند الأحزاب وليس سفراء الأحزاب في أمن الدولة”، مطالباً بإعادة بناء ثقة اللبنانيين بدولتهم.

ثم انتقل الرئيس عون إلى وزارة الدفاع الوطني حيث التقى وزير الدفاع العميد ميشال منسى وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، وأعضاء المجلس العسكري. وقدّم تعازيه باستشهاد المعاون أول فادي الجاسم. وأكد أن الجيش يبقى الركيزة الأساسية لحماية الكيان اللبناني، مشيراً إلى أن الاصلاحات بدأت وستستمر، وأنه سيعمل على تأمين حاجات المؤسسة العسكرية بالتعاون مع القيادة.

زيارة قطر في سياق دعم عربي فاعل

زيارة الرئيس عون إلى قطر تأتي في سياق شكر الدوحة على دعمها للبنان، لا سيما للجيش، ولحثّها على الاستثمار في قطاعي الكهرباء والنفط. الزيارة تزامنت مع جولة الموفد السعودي يزيد بن فرحان الذي التقى كبار المسؤولين اللبنانيين، ما يعكس دينامية عربية واضحة في رعاية الخروج التدريجي من الأزمة اللبنانية، بعيداً من الاصطفافات الحادة ومحاور النفوذ التقليدية.

الأردن يحبط مخططاً أمنياً خطيراً

وفي مشهد أمني موازٍ يعكس عمق التهديدات العابرة للحدود، أعلن الأردن اعتقال 16 شخصاً مرتبطين بجماعة “الإخوان المسلمين” تلقوا تدريباً وتمويلاً في لبنان وخططوا لشن هجمات على أهداف داخل المملكة باستخدام صواريخ وطائرات مُسيّرة.

وذكرت السلطات أن صاروخاً واحداً على الأقل كان جاهزاً للإطلاق في إطار عملية كانت تحت مراقبة قوات الأمن منذ العام 2021.

وقال مصدر أمني إن المشتبه بهم مرتبطون بجماعة “الإخوان المسلمين”، أكبر جماعة معارضة في البلاد، بينما كان زعيم الخلية التي دربت بعض أعضائها يقيم في لبنان.

ووفق المخابرات الأردنية، فإن تلك القضايا أُحيلت جميعها على محكمة أمن الدولة لاتخاذ الاجراءات القانونية المناسبة، ما يشير إلى مستوى التنسيق الاستخباري العالي وقدرة المملكة على التصدي لمحاولات زعزعة الاستقرار.

شارك المقال