في مشهدٍ إقليمي يعيد رسم التوازنات بالنار والديبلوماسية، شكّل وقف الهجمات في البحر الأحمر بين الحوثيين والولايات المتحدة، بوساطة سلطنة عمان، أكثر من مجرد تهدئة مؤقتة لممرات الشحن الحيوية. الاتفاق، الذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بلهجة واثقة، بدا كإعلان نوايا لصفقة شاملة بين واشنطن وطهران، تمتد من ساحات القتال اليمنية إلى غرف التفاوض النووي، مروراً بملفات العقوبات وخريطة النفوذ في المشرق العربي.
صنعاء، التي كانت حتى أيام قليلة تطلق صواريخها نحو مطار بن غوريون، تحوّلت فجأة إلى منصة حوار غير مباشر، بينما بدت إيران وكأنها تلوّح بورقة الحوثيين ضمن سلّة تفاوضية أوسع. مع الحديث عن مفاوضات مباشرة تلوح في الأفق بين واشنطن وطهران، ازدادت التكهنات حول بنود “الصفقة”، وسط اتهامات إسرائيلية صريحة بوجود “خيانة في التنسيق” بين إدارة ترامب وحكومة بنيامين نتنياهو، التي لم تُبلّغ مسبقاً بتفاصيل الاتفاق.
وإذا كانت تل أبيب قد عبّرت عن امتعاضها من استبعادها، فإن الرياض تلقّفت الاتفاق بترحيب، بوصفه خطوة على طريق وقف الحروب بالوكالة. أما سلطنة عُمان، فعادت لتؤكّد دورها كوسيط محوري في أزمات المنطقة، محققة إنجازاً تفاوضياً جديداً يُضاف إلى سجلها.
المفارقة أن الهدنة لم تشمل إسرائيل، إذ استثنتها جماعة الحوثي علناً من الاتفاق، مؤكدة أن وقف الهجمات يطال السفن الأميركية فقط، ما يفتح الباب أمام اشتباك انتقائي يراوح بين التصعيد الموضعـي والتهدئة الشاملة.
عودة الصندوق العربي وورود في المطار
في هذا المناخ الاقليمي المتبدّل، بدأ لبنان يلتقط أنفاسه وسط مؤشرات إيجابية. الصندوق العربي للإنماء، الذي غاب طويلاً عن الساحة اللبنانية، عاد بنَفَس إنمائي جديد، معلناً استعداده لتمويل المشاريع الحيوية وتبنّي آليات عمل أكثر فاعلية، في خطوة تعبّر عن نية خليجية واضحة بدعم العهد الرئاسي الجديد.
وبالتوازي، استُقبلت في مطار رفيق الحريري الدولي ثلاث طائرات إماراتية تحمل على متنها مواطنين إماراتيين، للمرة الأولى منذ رفع الحظر عن سفرهم إلى لبنان. الورود والحلوى في صالات الوصول لم تكن مجرد ترحيب سياحي، بل رسالة سياسية بأن الخليج يعيد التموضع في لبنان، ليس كسائح فقط، بل كشريك محتمل في الإنماء والإعمار.
وزير الاعلام بول مرقص، الذي مثل رئيس الجمهورية جوزاف عون في استقبال الوفد، شدّد على أن الحكومة اللبنانية عازمة على تذليل كل العقبات أمام عودة الإخوة الخليجيين، مشيراً إلى “لجان وزارية ومتابعة مباشرة من الرئاسة والحكومة”. وأكد أن “الطريق سالكة أمام عودة السعوديين أيضاً”.
صيدا تحت النار الاسرائيلية
على وقع الانفراجات، لم تغب التهديدات الأمنية. ففي صيدا، اغتالت طائرة استطلاع إسرائيلية الشاب خالد الأحمد بالقرب من جامع الإمام علي في حي الفيلات، عبر استهداف مباشر لسيارته “الرابيد”، ما أدى إلى احتراقها ومقتله على الفور. الأحمد، المنتمي إلى حركة “حماس” والمقيم في مخيم المية ومية، كان في طريقه إلى صلاة الفجر. وأعلنت وزارة الصحة عبر مركز عمليات الطوارئ أن الغارة أسفرت عن سقوط شهيد.
المرصد البلدي
داخلياً، يعيش لبنان على وقع المرحلة الثانية من الانتخابات البلدية والاختيارية، التي تنطلق خلال أقل من 72 ساعة في محافظتي الشمال وعكار. وتشهد طرابلس معركة انتخابية ساخنة بين أكثر من ثلاث لوائح وعدد كبير من المرشحين المدعومين من مختلف الأحزاب السياسية، ما يثير قلقاً لدى أبناء المدينة من إعادة إنتاج الطبقة نفسها.
وفي الميناء، تتكرر الصورة، حيث التنافس بين لوائح حزبية وأخرى مدنية يُنذر بمواجهة انتخابية قاسية.
أُقفل باب الترشح في عكار مساء أمس، وسجّل ترشّح 2561 مرشحاً للمجالس البلدية، و729 لمراكز المخاتير. ووفق وزارة الداخلية، فازت 30 بلدية و40 مختاراً بالتزكية، بينما تتجه الأنظار إلى معارك حامية متوقعة في المنية – الضنية، زغرتا، والبترون، مع نسب ترشّح مرتفعة.
في قضاء الكورة، كان الوضع أكثر هدوءاً مع فوز 10 بلديات بالتزكية.
أما في البقاع، فالصورة أكثر توتراً، مع استعداد المجتمع المدني والثوار لمواجهة لوائح “الثنائي الشيعي” في عدد من البلدات. فيما لا تزال الصورة غير مكتملة في بلدات مثل عرسال وشعت، وسط محاولات لتشكيل لوائح توافقية.
وفي بيروت، لا يزال التوافق غائباً، ومعه لائحة الائتلاف الجامع، ما يفتح الساحة لمنافسة شرسة بين أربع لوائح في 18 أيار الجاري، في معركة قد تكون الأهم على مستوى إعادة تشكيل ميزان القوى البلدي في العاصمة.


