هل تخسر إسرائيل الدعم الأميركي؟

حسناء بو حرفوش
الجيش الاسرائيلي وغزة

سلّط مقال في موقع “ميدل إيست مونيتور” الضوء على تحوّل غير مسبوق في الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل، وأظهر أن الدعم التقليدي وغير المشروط لحكومة بنيامين نتنياهو بدأ يتآكل بصورة واضحة، خصوصاً بعد حرب غزة الأخيرة وتزايد الوعي الشعبي بقضايا حقوق الإنسان.

وحسب المقال، “شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تحوّلاً جوهرياً في السنوات الأخيرة. فبعد أن كانت إسرائيل تحظى بدعم واسع من الحزبين الجمهوري والديموقراطي، بدأ الرأي العام الأميركي ينقلب تدريجياً، خصوصاً بعد تصاعد العمليات العسكرية في غزة. وفي هذا السياق، كشف استطلاع رأي أجراه مركز بيو في مطلع العام 2025 أن 53% من الأميركيين يمتلكون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ42% فقط في العام 2022. ويعكس هذا التحول تصدّعاً في صورة إسرائيل داخل المجتمع الأميركي، نتيجة عوامل متشابكة أبرزها الانقسام الحزبي والفجوة بين الأجيال والرفض المتزايد للانتهاكات بحق الفلسطينيين.

جيل الشباب لا ينظر لإسرائيل بإيجابية

ولم يعد الجيل الشاب، وتحديداً من تقل أعمارهم عن 30 عاماً، ينظر إلى إسرائيل كما كانت تُرى في السابق. وينظر41% فقط من هذه الفئة بصورة إيجابية لإسرائيل، مقابل 69% ممن هم فوق 65 عاماً. ويتابع الشباب الأحداث من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُعرض صور مروّعة من غزة: المنازل المدمّرة والضحايا في صفوف الأطفال والعائلات المشرّدة، الأمر الذي يعمّق تعاطفهم مع الفلسطينيين ويعزز شعورهم بالعدالة وحقوق الإنسان.

كما يهتم هذا الجيل أكثر بمفاهيم مثل العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، على عكس الأجيال الأكبر التي رأت في إسرائيل حليفاً استراتيجياً خلال الحرب الباردة. كما أن ازدياد الوعي بتاريخ الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي ومصطلحات مثل الاحتلال والاستيطان والحصار غيّر من طريقة تفكير الكثير من الشباب، خصوصاً بتأثير الحركات الأكاديمية والنشطاء المؤيدين لحملة المقاطعة (BDS).

 الانقسام الحزبي الأميركي حول إسرائيل

وعلى الرغم من أن الدعم لإسرائيل كان الجامع المشترك بين الحزبين الأميركيين، يخضع هذا الدعم اليوم للتسييس. 74% من الجمهوريين ما زالوا يؤيدون إسرائيل، بينما انخفضت النسبة إلى 44% فقط بين الديموقراطيين. يعود ذلك جزئياً إلى سياسات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتحديداً تحالفه مع الجمهوريين وانتقاده العلني لإدارة (باراك) أوباما. كما أن دعمه لإعادة انتخاب دونالد ترامب زاد من نفور الديموقراطيين.

وفي المقابل، ارتفعت في الجناح التقدمي للحزب الديموقراطي الأصوات الرافضة للسياسات الاسرائيلية، لا سيما ما يتعلق بالاستيطان والحصار على غزة. وباتت هذه الأصوات تطالب بمراجعة المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل، والتي تبلغ 3.8 مليارات دولار.

رد الفعل الغاضب على حرب غزة

ولعل السبب الأبرز لتدهور صورة إسرائيل حالياً يكمن في العدوان المتواصل على غزة. وتظهر الاستطلاعات أن 47% من الأميركيين يرون أن تصرفات إسرائيل قاسية للغاية، و34% فقط يعتبرونها مبرّرة. أما بين الديموقراطيين ومن هم دون سنّ الخمسين، فتنتقد الغالبية سلوك إسرائيل العسكري.

كما أصبحت الصور التي تختصر معاناة غزة والتي تظهر المستشفيات المدمّرة والشهداء وملايين المهجرين جزءاً أساسياً من الوعي الجماهيري الأميركي، وخصوصاً في صفوف من يضعون حقوق الإنسان في سلّم الأولويات. وقد أدّى ذلك إلى تساؤلات عميقة حول دور واشنطن في تمويل هذا الصراع.

انعكاسات التحوّل على السياسة الخارجية الأميركية

هذا التغيّر ليس مجرد حدث عابر وقد تنتج عنه تبعات استراتيجية. فقد بدأ بعض الأصوات في الكونغرس يطالب بتقييد المساعدات العسكرية لإسرائيل أو إعادة النظر فيها. وإذا استمر هذا التوجّه، فقد تخسر إسرائيل موقعها كحليف غير قابل للمساءلة في السياسة الأميركية. كما يعكس هذا التحول تغيّراً في أولويات الأميركيين أنفسهم، إذ باتوا أكثر اهتماماً بقضايا داخلية مثل الرعاية الصحية والعدالة المناخية، على حساب الالتزامات الخارجية غير المشروطة. وفي حال استمر الضغط الشعبي من أجل سياسة خارجية تقوم على القيم وحقوق الإنسان، فقد تجد واشنطن نفسها مضطرة لإعادة رسم علاقتها مع إسرائيل.

وفي المحصلة، يمكن تشبيه ما نشهده باللحظة المفصلية في العلاقات الأميركية-الاسرائيلية: جيل جديد وأولويات جديدة وتزايد الرفض الشعبي لانتهاكات حقوق الإنسان كلها مؤشرات على أن الدعم التقليدي لاسرائيل لم يعد مضموناً. ولعل أكبر تحدٍّ أمام صانعي القرار في إسرائيل اليوم يكمن في استعادة ثقة الرأي العام الأميركي، بينما يحتاج الساسة الأميركيون الى التوفيق بين تحالفهم التاريخي والمطالب الشعبية المتزايدة بسياسة خارجية أخلاقية وعادلة”.

شارك المقال