رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري صوته أمس قائلاً: “مع اليونيفيل ظالمة أو مظلومة”. هذا التصريح لم يكن مجرد دفاع عن دوريات تتعرض لمواجهات من “غضب الأهالي”، بل حمل في طيّاته قراءة سياسية مبكرة لتحولات كبيرة في الموقف الأميركي. إذ تشير معطيات إلى أن رادارات عين التينة التقطت إشارات تفيد بأن واشنطن تميل إلى إنهاء مهمة القوات الدولية في الجنوب، واستبدالها بتوسيع مهام لجنة مراقبة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.
لكن اللجنة المعنية، التي يُفترض بها أن تلعب دوراً محورياً في أي مرحلة مقبلة، لا تزال في حالة جمود. فمنذ تعيين الجنرال الأميركي مايكل ليني، لم تُعقد سوى جلسة يتيمة. وعلى الرغم من وجود آليات تنسيق بين الجيش اللبناني وضباط أميركيين، فإن غياب الاجتماعات الرسمية يعرقل الاستجابة السريعة لمطالب لبنان. وتتمثل الإشكالية الأبرز في أن واشنطن تربط تفعيل اللجنة برفع مستوى التنسيق المباشر بين الجيشين اللبناني والاسرائيلي، وهو ما يرفضه لبنان رسمياً وبصورة قاطعة.
في المقابل، تتمسك باريس بموقف مختلف. فالرئاسة الفرنسية تدعم تجديد ولاية “اليونيفيل” من دون أي تعديل في مهامها. وناقش الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الملف مباشرة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، في لقاء أعقبه تنسيق واضح بين عون وبري، ما يعكس تقارباً في الموقف اللبناني الرسمي بوجه الضغوط الأميركية.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز الزيارة المرتقبة لنائبة المبعوث الأميركي إلى لبنان، مورغان أورتاغوس، التي يُتوقع أن تحمل مقترحات تتعلق بملف ترسيم الحدود البرية بين لبنان واسرائيل، إلى جانب رؤية أميركية جديدة لمستقبل القوات الدولية، وهي زيارة يُنظر إليها على أنها قد تشكل نقطة تحوّل، خصوصاً إذا ترافقت مع جدول زمني واضح وإشارات إلى عواقب محتملة في حال رفض لبنان الطروح الأميركية.
الرسائل واضحة: إسرائيل تسعى إلى إنهاء مهمة “اليونيفيل”، وواشنطن تؤيد ذلك بذريعة فشل القوة الدولية في احتواء تعاظم قدرات “حزب الله”، إضافة إلى ما تسميه مواجهة الحزب للقوات الدولية من خلال “غضب الأهالي”. في المقابل، يرفض لبنان المسّ بمهمة “اليونيفيل”، مدعوماً من باريس، ويعتبر أن أي بديل لا يمكن أن يُفرض تحت الضغط أو بشروط تمسّ السيادة الوطنية.
غارات إسرائيلية وتحركات مشبوهة
على الأرض، تواصل إسرائيل تصعيدها العسكري. فقد توجهت قوة مشاة إسرائيلية برفقة جرافة إلى الضفة الشرقية لنهر الوزاني حيث تقع المنتزهات، قبل أن تنسحب بعد حفر خندق في الموقع. كما نفّذ الجيش الاسرائيلي عملية تمشيط انطلاقاً من تلة الحمامص باتجاه سهل مرجعيون.
وسُجّلت عمليات لصق منشورات تحريضية ضد “حزب الله” على سيارات ومبانٍ في بلدتي الضهيرة وعيتا الشعب، بينها مبنى مخصص لتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة.
وكان الطيران الحربي الاسرائيلي شنّ أربع غارات متتالية، بعد منتصف ليل الجمعة، استهدفت أطراف بلدة شمسطار في قضاء بعلبك، وتحديداً لجهة بلدة طاريا. كما سُجّلت سلسلة غارات مماثلة مساء الخميس استهدفت مناطق عدة في جنوب لبنان.
اجتماع أمني في بعبدا
في المتابعة الداخلية، ترأس الرئيس عون اجتماعاً أمنياً في قصر بعبدا، حضره وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، ومدير المخابرات العميد طوني قهوجي، والمستشار الأمني والعسكري للرئيس العميد أنطوان منصور. خُصص الاجتماع لمتابعة الأوضاع الأمنية، ولا سيما في الجنوب، في ضوء الاعتداءات الاسرائيلية المتواصلة، التي تعوق استكمال انتشار الجيش اللبناني.
كما ناقش المجتمعون الاجراءات المتخذة للبدء بسحب السلاح من المخيمات الفلسطينية في بيروت، وفق الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس الأسبوع الماضي.
لقاء عون – بري: تنسيق في الملفات كافة
في موازاة الاجتماع الأمني، عقد الرئيس عون لقاء مع الرئيس بري، تم خلاله عرض الأوضاع العامة في البلاد، إلى جانب تقييم شامل للانتخابات البلدية والاختيارية. كما أطلع عون ضيفه على نتائج جولاته الخارجية ولقاءاته مع قادة الدول.
اللقاء تناول أيضاً إمكان فتح دورة استثنائية لمجلس النواب، بينما حاز ملف الجنوب والتمديد لقوات “اليونيفيل” على حيز أساسي من النقاش. ولاحقاً قال بري عن الاجتماع: “متفقون… واللقاء جيد”.
عون: اجتثاث الفساد يبدأ بقضاة نزيهين
في سياق منفصل، جدد رئيس الجمهورية دعوته إلى تعزيز دور القضاء في مكافحة الفساد، مشدداً خلال مراسم قسم اليمين لثلاثة أعضاء جدد في مجلس القضاء الأعلى، على أن اجتثاث الفساد يتطلب قضاة نزيهين لا يخضعون لأي ضغط أو ترهيب، ويستندون فقط إلى ضمائرهم والقانون.
وأكد الرئيس عون ضرورة تفعيل المحاكم وتسريع البت في الملفات العالقة، معرباً عن ثقته بمجلس القضاء الأعلى، وآملاً في صدور التشكيلات القضائية قريباً، لتكون “المحرّك الأساسي لقضاء عادل لا توقفه العوائق”.


