أمام تصاعد الضغوط الدولية والاقليمية، وانهيار معادلات الردع التي كانت ولو صورياً تمنع إسرائيل من التمدّد بحرية في الأجواء اللبنانية، وفي ظل غياب أي رؤية واضحة لإعادة الإعمار، تتفجّر أزمة بيئة “الثنائي الشيعي” في الحلقة الأضعف: الشارع. ما نشهده اليوم جنوباً لم يعُد مجرّد انفلات أمني عابر، بل تحوّل إلى تعبير صارخ عن مأزق سياسي متفاقم يعيشه “الثنائي” داخل بيئته. مأزقٌ تُرجم على الأرض بتصعيدٍ ضد قوات “اليونيفيل” في دير قانون النهر، واعتداءٍ جسدي على الشيخ ياسر عودة في قلب الضاحية الجنوبية.
في البلدة التي خرج منها هاشم صفي الدين، القيادي في “حزب الله” الذي كان مرشحاً لخلافة الأمين العام حسن نصر الله قبل أن تسبق الاغتيالات الاسرائيلية لحظة التسليم، تلقى جندي في بعثة “اليونيفيل” صفعة مباشرة، بينما تعرّض آخر للضرب على ظهره، في وقت كانت السيارات الدولية تُقذف بالحجارة والعصي، وسط عجز الجيش اللبناني عن حماية البعثة إلا بعد إرسال تعزيزات، قوبلت هي الأخرى بالاعتراض. كل ذلك جرى في وضح النهار، وعلى مرأى من عدسات الكاميرات.
الاعتداء الذي وُثق بالصوت والصورة ليس حادثاً فردياً، بل امتداد لتصعيد منهجي تصاعد خلال الأسبوعين الماضيين مع تكرار محاولات عرقلة تحركات “اليونيفيل”، بذريعة “دخول الأملاك الخاصة من دون تنسيق”. لكنه في جوهره، رسائل سياسية مرسلة إلى الخارج والداخل معاً: لا تسويات على حساب النفوذ، ولا شرعية تعلو على “الشرعية المقاومة”.
الا أن الرسائل لم تتوقف عند الجنود الأجانب. فالمشهد الأخطر كان في الضاحية الجنوبية، حيث تعرض الشيخ ياسر عودة لاعتداء جسدي أمام مكتب السيد محمد حسين فضل الله، ليس من مجهولين، بل من شبان عرفوه بالاسم، وقالوا له صراحة: “عم تتطاول على السيد”. المفارقة أن عودة لم يخرج عن اللياقات، ولم يهاجم الحزب، بل كان من المختلفين داخل الطائفة الشيعية، الذين يذكّرون الناس بإمكان التعدد والاختلاف. ضربه لم يكن رسالة ترهيب وحسب، بل محاولة إلغاء رمزي لأي صوت يخرج عن “الإجماع المفروض”.
المعتدي، كما أعلن محامي الشيخ، ليس سوى مختار الباشورة، أي موظف رسمي يتمتع بصفة قانونية. وهنا تتكامل المأساة: موظف في الدولة يعتدي على رجل دين، ولا يُحرّك أحد ساكناً. لا بيان من الحزب، لا اعتذار، لا موقف. فقط صمت مدوٍّ يؤكد أن ما جرى ليس خروجاً عن الخط، بل ربما من مقتضياته.
قتيلان في شبعا
ميدانياً، استهدفت مسيّرة اسرائيلية رعاة في منطقة جنعم في بلدة شبعا الحدودية، ما أسفر عن سقوط قتيلين، هما راعٍ وابنه من آل كنعان، فيما أصيب ابنه الثاني بالغارة أيضاً.
لودريان: لبنان لا يملك ترف الوقت
ديبلوماسياً، أكّد الموفد الرئاسي الفرنسي إلى لبنان، جان إيف لودريان، أن لبنان لا يملك ترف الوقت، داعياً الى الاسراع في إقرار القوانين الاصلاحية، مشيراً إلى استعداد فرنسا لحشد دعم دولي عند تحقيق ذلك.
وتركّزت لقاءات لودريان مع المسؤولين اللبنانيين على الانتهاكات الاسرائيلية، التجديد لـ”اليونيفيل”، الاصلاحات وإعادة الإعمار. وشدّد رئيس مجلس النواب نبيه بري على التزام البرلمان بالتشريعات المطلوبة، ودعا إلى الاسراع في ورشة الإعمار، مثنياً على الدور الفرنسي.
كما ناقش لودريان مع رئيس الحكومة نواف سلام التطورات السياسية والاقتصادية والاعتداءات الاسرائيلية. وبحث مع نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب، في قوانين قيد الدرس، وأهمية الدعم الفرنسي والأميركي لتثبيت وقف إطلاق النار وضمان احترام القرار 1701.
سلام: فرض السيادة أولاً
رئيس الحكومة أكد أن “على الدولة أن تفرض سيطرتها الكاملة على كل القوات المسلحة في البلاد”، مشيراً إلى أن “انهيار القطاع المالي في لبنان ليس نتاج الأزمة فقط، بل نتيجة سوء الحوكمة والإفلات من العقاب”. وأوضح في كلمة ألقاها في مؤتمر “إعادة بناء لبنان: أطر الاستثمار، آفاق الأعمال، حل النزاعات”، أن البلد يمرّ في مرحلة تحديات كبرى تتطلب إصلاحات حقيقية وجذرية.
وكشف سلام أن الدولة اللبنانية “نجحت في نزع السلاح من أكثر من 500 مخزن في الجنوب، كجزء من جهودها لتعزيز الاستقرار”، مضيفاً أن “الأمن في مطار بيروت تم تعزيزه أيضاً”. وشدد على استمرار العمل مع القنوات الديبلوماسية للضغط على إسرائيل من أجل “وقف هجماتها على الأراضي اللبنانية والانسحاب من النقاط الخمس المتبقية التي لا تزال موضع خلاف”.
عون في الأردن
في عمان، بحث رئيس الجمهورية جوزاف عون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني في سبل تعزيز التعاون الأمني والعسكري، ومكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات، إلى جانب تطوير العلاقات الاقتصادية وزيادة التبادل التجاري. وتم الاتفاق على تشكيل آلية تنسيق عليا بين البلدين تشمل قطاعات عدة أبرزها الطاقة والكهرباء.
وأكد الجانبان رفضهما مخططات تهجير الفلسطينيين، وضرورة وقف الحرب على غزة والتوصل إلى حلّ سياسي شامل على أساس حل الدولتين.
كما ناقشا ملف النازحين السوريين وضرورة تسهيل عودتهم، مع دعوة المنظمات الدولية الى دعمهم داخل سوريا.
وتطرق عون إلى التزام لبنان بتطبيق القرار 1701 على الرغم من الخروق الاسرائيلية المستمرة، مطالباً بدعم جهود الجيش اللبناني في الجنوب. وشدّد على أهمية التنسيق مع سوريا لضبط الحدود المشتركة.


