يمكن اختصار المشهد العام بعنوان واحد: المنطقة تغلي!
ويبدو أن الوضع الذي بلغته المفاوضات النووية يصحّ تسميته بالحاسم؛ فإما أن تخضع إيران للشروط الأميركية، أو ستكون عرضة لضربة عسكرية أميركية–إسرائيلية، تحدّث عنها العديد من المحللين طوال الأشهر الفائتة.
لا شك في أنها أيام مصيرية للنظام الايراني، الذي من الواضح أنه يلعب على حافة الهاوية، علماً أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب من جهة، واستعدادات إسرائيل العسكرية من جهة أخرى، لا تُطمئن. وقد اعترف ترامب بأن الجانب الديبلوماسي الايراني يتصلب في مواقفه وخياراته ولا يريد التنازل في مسألة التخصيب. وبالتالي، قد نشهد تدهوراً سريعاً في الأوضاع إذا فشل الجانبان الأميركي والايراني في التوصّل إلى تسوية معينة في الجولة السادسة من جلسة التفاوض المقررة يوم الأحد المقبل في سلطنة عمان.
في ظلّ هذا التوتر، وردت معلومات من واشنطن تفيد بأن مجموعة واسعة من الخيارات العسكرية المحتملة ضد إيران عُرضت على ترامب، فيما تقترب إسرائيل أكثر فأكثر من أن تكون في وضع يسمح لها بشنّ ضرباتها الخاصة على المواقع النووية الايرانية!
كل شيء يوحي بذلك؛ إذ أصدرت الادارة الأميركية أوامر بإجلاء الموظفين غير الأساسيين من سفارتها في العراق، ومن منشآتها الديبلوماسية في البحرين والكويت.
وأعلن وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، أنه ستكون هناك مغادرة طوعية لعائلات العسكريين العاملين في منطقة عمليات القيادة المركزية الأميركية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، كما أُعلنت حالة تأهب دائم لدعم أي عدد من المهام حول العالم في أي وقت. وأصدرت عمليات التجارة البحرية البريطانية تحذيراً “غير معتاد”، مشيرة إلى “تصاعد التوتر الاقليمي”، الذي قد يشكّل تهديداً للسفن في المنطقة.
من جهة أخرى، تمّ تأجيل جلسة استماع في الكونغرس كان سيحضرها قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال مايكل كوريلا، بعدما اعترف باستعداد الجيش للمشاركة في “استعراض قوة كاسح” إذا حصلت إيران على قنبلة نووية، ووجّه الرئيس القيادة المركزية الأميركية للقيام بذلك.
كل ذلك نتيجة لتباعد مواقف الجانبين في المفاوضات، بل إن الشروط المتبادلة تبدو مستعصية. مع ذلك، تؤكد المعلومات الواردة من واشنطن أن الاهتمام المتزايد بالخيارات العسكرية لا يعني بالضرورة اتباع هذا المسار؛ فترامب يريد استنفاد كل الطرق السلمية قبل الإقدام على أي عمل عسكري، بل إنه ضغط على رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، لتأجيل ضرب أهداف إيرانية، ريثما تصل المفاوضات مع إيران إلى طريق مسدود، ولو أن الأرجحية باتت تميل إلى هذا الخيار.
واللافت أن ما اتضح لصانعي القرار في واشنطن وتل أبيب مؤخراً هو أن إيران تكذب بشأن برنامجها النووي، وهي باتت قريبة من صنع أسلحة نووية فعالة. فيما تطالبها الولايات المتحدة بتخفيض التخصيب ليكون متلائماً مع برنامج نووي مدني، إلا أنها ترفض ذلك، بل تطالب بخطة واضحة ورسمية لتخفيف العقوبات الأميركية كجزء من أي اتفاق نووي جديد. وقد بدت نبرة مواقف مسؤوليها – بدءاً من المرشد علي خامنئي، مروراً بقادة الحرس الثوري، وصولاً إلى بعض المسؤولين المحافظين – تصعيدية وسلبية للغاية.
يشكّك العديد من المراقبين في قدرة إسرائيل على توجيه ضربة للمنشآت النووية الايرانية المحصّنة بعمق الأرض من دون مساعدة الولايات المتحدة، التي تمتلك قدرة هجومية فريدة من نوعها، تتمثل في قاذفات الشبحB-2 Spirit، المزودة بقنابل GBU-57/B الخارقة للتحصينات. ومع ذلك، يقول هؤلاء المراقبون إن الضربات لا يمكنها تدمير المنشآت بالكامل، إنما قد تُعطّلها مؤقتاً على الأقل، كما يمكن شنّ غارات برية كجزء من حملة قد تكون مطوّلة.
وستتطلب أي عملية من هذا القبيل حزمة قوة أكبر بكثير، تتجاوز مجرد الأصول المكلّفة بتنفيذ الضربات، بما في ذلك قمع الدفاعات الجوية المعادية وتدميرها، ما سيشكّل مخاطر إضافية نتيجة لذلك. علماً أن الدفاعات الجوية الأكثر بدائية للحوثيين شكّلت تهديدات حقيقية نسبياً حتى للطائرات الأميركية المتقدّمة. ويكتمل هذا المشهد مع تهديدات الحوثيين، الذين لا يزالون يملكون ترسانة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، بالاضافة إلى الطائرات المسيّرة الانتحارية، وقد يضعونها بتصرّف إيران – وهذا ما أعلنوه فعلاً.
في المقابل، تزعم إيران أنها تمتلك معلومات استخباراتية عن المواقع النووية الاسرائيلية، وقد تستهدفها إذا ما استُهدفت مواقعها، ولا سيما منشأة “سوريك” للأبحاث النووية المعترف بها علناً.
وهناك احتمال أن تقدم السلطات الايرانية على إغلاق مضيق هرمز، الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان، وهو ما ستكون له آثار كبيرة على إمدادات النفط والغاز الطبيعي العالمية.
لكن لا أحد يعرف فعلياً ما قد تؤدي إليه الحرب إذا بدأت، فالجميع يعرفون كيف تبدأ، إلا أنهم لا يعرفون كيف تنتهي. وربما يتّسع نطاق الهجوم، ما سيؤدي على الأرجح إلى إطاحة النظام – وهذا ما تريده إسرائيل بالدرجة الأولى، لإنهاء التهديد النووي بصورة مطلقة.
الوقت بدأ ينفد أمام إيران، وخصوصاً أن ترامب لا يؤمن بالمفاوضات المفتوحة وعمليات التمييع والتسويف والمماطلة. لذا، قد يكون أمام النظام الايراني أسبوع واحد لاتخاذ قراره: إما الخضوع للشروط الأميركية، أو الدخول في المجهول.
والمفارقة هذه المرة، وفق ديبلوماسيين، أن مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية أصدر بياناً أعلن فيه عدم امتثال إيران لالتزاماتها بالضمانات النووية، وذلك لأول مرة منذ نحو 20 عاماً.
ويُوضح ديبلوماسي لبناني مقيم في واشنطن أنه يجب “فكّ شيفرة” كلام الرئيس ترامب، الذي لم يقل حتى الآن إن الولايات المتحدة ستوجّه ضربات إلى إيران، إنما أشار إلى إسرائيل، ما يعني أنه لم يفقد الأمل بعد من المفاوضات. وبالتالي، الحرب ليست هدفاً للبيت الأبيض، بل هدف ترامب هو الضغط على طهران لتقديم تنازلات – وهي مهمة أكثر تعقيداً بكثير.
علماً أن كلام ترامب عن استعداد إسرائيل لضرب منشآت نووية إيرانية، مستند إلى معلومات استخباراتية أميركية، إلا أنه، حتى اللحظة، لا يدعم مثل هذه العملية، على الرغم من أنه غير راضٍ عن سلوك إيران الأخير في المحادثات النووية الثنائية، وبدأ يشعر بأنها تماطل في المفاوضات!
من المؤكد أن منسوب الخطر ارتفع في المنطقة إلى حد كبير، كلما تبيّن أن إيران تحاول كسب الوقت وتتعاطى بعدم جدية مع المفاوضات. والسيناريو الأكثر احتمالاً هو أن تُقدم إسرائيل على خطوة ما، وأن ترد إيران، فتُجبر الولايات المتحدة على التدخل لدعم إسرائيل – وهذا ما سيكون وارداً بشدة إذا فشلت الجولة السادسة من المفاوضات الأحد المقبل.


