في اليوم الثاني لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، خفّ أزيز الطائرات، وتبدّد الدخان من السماء، وغابت أضواء الصواريخ، لكن غبار المواجهة ما زال يتسلّل إلى الساحة اللبنانية… وإنْ من بوابة المال هذه المرّة. فبينما تنصرف الدولة اللبنانية إلى معالجة همومها المزمنة عبر جلستين حكومية وتشريعية بجدولي أعمال مزدحمين، جاءت الغارة الاسرائيلية الأخيرة لتذكّر الجميع بأن الساحة اللبنانية لم تُرفع كلياً عن خريطة الصراع، وأن “حزب الله” لا يزال في مرمى التصويب الاسرائيلي، ولو بحجة “التمويل”.
الغارة الجوية التي نفّذتها إسرائيل، وأدّت إلى مقتل هيثم بكري، رئيس شبكة “الصادق” للصرافة في جنوب لبنان، جاءت وفق الرواية الاسرائيلية كضربة موصوفة لشبكة تمويل تابعة مباشرة لـ “فيلق القدس” الايراني، ومتورّطة في تحويل الأموال لـ “حزب الله”، وهو استهداف لا يُقرأ فقط من زاوية عسكرية، بل يحمل رسالة مزدوجة: إسرائيل ستواصل استهداف الامتدادات اللوجيستية لـ “حزب الله” ولو تحت ستار الهدنة، والضغط سينتقل من الضاحية إلى ما وراء الحوالات.
ووفق إسرائيل، فإن الاغتيال هو استكمال لخطتها لضرب تمويل “الحزب”، بل قد يكون تمهيداً لضرب تمويل كامل “المحور”، إذ أُعلن أيضاً عن مقتل بهنام شهرياري، قائد “الوحدة 190” في “فيلق القدس”، والمسؤول عن مسارات التمويل العابرة للحدود، من إيران إلى العراق، فتركيا، ثم لبنان.
وفي هذا الوقت، كانت بيروت الرسمية تحاول التقاط أنفاس الدولة: جلسة لمجلس الوزراء تُعقد الجمعة، وتتضمن مشاريع قوانين تتراوح بين الشراكة مع القطاع الخاص، وتنظيم العمل، وتعديل الحد الأدنى للأجور، والبحث في ملفات الطاقة والقمح والهبات والضمان. تليها جلسة تشريعية يوم الاثنين تتناول الموازنة العامة، قروض الطاقة والتحوّل الأخضر، ومنح مالية للعسكريين، وقوانين مهنية وتنظيمية، في مشهد يبدو أنه إثبات بالتغيير في العهد الجديد برئاسة العماد جوزاف عون.
الرئيس عون نفسه استقبل كبير مستشاري وزارة الدفاع البريطانية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الأدميرال إدوارد ألغرين، مؤكّداً تمسّك لبنان بوجود “اليونيفيل” في الجنوب كعنصر استقرار، لكنه أعاد التذكير بالخروق الاسرائيلية التي لا تزال تمنع بسط الجيش اللبناني سلطته الكاملة جنوب الليطاني، وتعوق تنفيذ القرار 1701 بصورة كاملة. وفي خلفية كلامه، هاجس لا يُفصح عنه علناً: كيف يُمكن للحكومة أن تمضي في التنمية والاصلاح بينما إسرائيل تُسجّل خروقاً متكرّرة، آخرها بحجة استهداف “مالية المقاومة”؟
المفارقة أن الدولة اللبنانية، التي تسعى إلى استعادة الشراكة الدولية عبر قوانين ومشاريع ومفاوضات، تجد نفسها أمام واقع مركّب: إسرائيل تضرب من دون ردّ، و”حزب الله” يتريّث في موقفه، بينما العهد الجديد يُبنى فوق أرض سياسية واقتصادية هشّة، قابلة للاهتزاز مع أي تصعيد مفاجئ.


