بيروت تحضّر ردّها على باراك… و”الخماسية” تواكب عن كثب

لبنان الكبير / مانشيت

يعيش لبنان هذه الأيام على إيقاع ساعة سياسية دقيقة وحساسة، تفرضها زيارة مرتقبة للمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ولبنان توماس باراك، والذي سيحمل معه إلى بيروت خريطة طريق أميركية واضحة المعالم، تضع مصير سلاح “حزب الله” في صلب الاشتباك السياسي والديبلوماسي الجاري، وترسم خطوطاً حمراً جديدة لعلاقة لبنان بالمجتمع الدولي، تحت سقف مهلة زمنية لا تتجاوز نهاية العام الحالي.

وفي الكواليس، تتكثف اجتماعات اللجنة الثلاثية التي تضم ممثلين عن الرؤساء الثلاثة جوزاف عون ونبيه بري ونواف سلام، في محاولة لصياغة ردّ رسمي مدروس يراعي التوازنات اللبنانية الدقيقة، ويجنّب البلاد خضّة سياسية أو أمنية في حال تمّ تحميله موقفاً متسرّعاً من أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في لبنان.

فالخريطة التي نقلها باراك في زيارته الأخيرة، وصيغت في ست صفحات، لم تترك مجالاً واسعاً للمناورة: تسليم سلاح “حزب الله” والفصائل المسلحة الأخرى في لبنان، مقابل انسحاب تدريجي للقوات الاسرائيلية من المناطق التي لا تزال تحتلها في الجنوب، مع رزمة من الحوافز المالية لإعادة الاعمار، وتطمينات أمنية تُشرف عليها الأمم المتحدة، وتحرير أسرى. غير أن الوضوح الأميركي لم يقابله حتى الساعة إلا غموض لبناني حذر، وسط إدراك الطبقة الحاكمة صعوبة اتخاذ قرار من هذا النوع في ظل استقطاب داخلي حاد.

وتواكب اللجنة الخماسية (الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، مصر وقطر) هذا الحراك المحلي باهتمام شديد، وأفيد بأن سفراءها سيجتمعون في السفارة الأميركية في بيروت يوم الخميس، في خطوة تعكس مدى الجدية التي تتعامل بها العواصم الكبرى مع هذه المرحلة اللبنانية الحساسة. وتؤكد مصادر مطلعة أن عنوانَي هذا الاجتماع سيكونان السلاح والإصلاح، مع تركيز على ضرورة التوصل إلى “اتفاق شامل” يحفظ الاستقرار من جهة، ويمنح واشنطن وشركاءها الاقليميين أوراقاً قوية على طاولة تفاوض أكبر، تشمل سوريا وإيران والملف النووي من جهة ثانية.

وما يزيد من وطأة الضغوط، أن زيارة باراك تتزامن مع زيارة لرئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، في مشهد إقليمي متقاطع قد يُظهر حجم التنسيق بين الضغوط الديبلوماسية والميدانية، خصوصاً بعد تكثيف الغارات الاسرائيلية على مواقع الحزب في الجنوب، وتسريبات إسرائيلية عن إمكان توسيع قواعد الاشتباك.

أما داخلياً، فلا تزال قيادة “حزب الله” تحافظ على خطابها الصلب، اذ كرر الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم موقفه الرافض لأي تنازل عن السلاح تحت الضغط الأميركي – الاسرائيلي، داعياً اللبنانيين إلى “عدم مساعدة أميركا وإسرائيل على تنفيذ مخططاتهما”. وأكد أن المقاومة “لن تفرّط بسلاحها” قبل ضمان الانسحاب الاسرائيلي الكامل، وتأمين آليات فعلية لإعادة الاعمار.

وعلى الرغم من ذلك، تشير معطيات جدية إلى أن الحزب لا يقاطع اللجنة المكلفة، بل يتفاعل معها بحذر، ويقدّم إشارات تفيد باستعداده للبحث، لا للاستسلام. فالحزب الذي تلقى ضربات عسكرية موجعة، وخسر عدداً من مخازنه الاستراتيجية، بات يدرك أن موازين القوى الاقليمية لم تعد كما كانت، وأن ما كان مرفوضاً قبل عامين أصبح مطروحاً اليوم على طاولة البحث – ولو من باب تجنّب الأسوأ.

السؤال الأكبر الذي يُطرح اليوم في الأوساط الديبلوماسية والسياسية: هل ما يجري هو مقدمة لتسوية إقليمية شاملة تبدأ من لبنان؟ أم أنه فصل جديد من فصول الصراع بين المحاور، تُستخدم فيه الساحة اللبنانية كأداة ضغط إضافية؟ في كلتا الحالتين، يبقى أن اللبنانيين، كما المعتاد، هم من يدفعون الثمن، فيما القرار النهائي لا يزال ينتظر كلمة الفصل من الحزب، ومن خلفه طهران.

شارك المقال