في سابقة غير عادية، يفتح مستودع V&A إيست أبوابه للزوار، حاملاً معه مفهوماً جديداً كلياً لتجربة المتحف، الواقع في شرق العاصمة البريطانية، فلا تقف الحواجز الزجاجية بين الزائر والتحفة الفنية، بل تُفتح أمامه فرصة نادرة للملامسة والمشاهدة من مسافة صفر تقريباً.
يمتد هذا المستودع المذهل على أربع طبقات ضخمة، خصصت ثلاث منها لاستقبال الجمهور، فيما تُعرض داخله أكثر من 250 ألف قطعة، تتنوع بين لوحات من القرن الرابع عشر، وأزياء haute couture لمصممين عالميين، مثل شياباريللي وفيفيان ويستوود. كما تتوزع المقتنيات بين تحف نادرة، وأعمال فنية مميزة، وأسلحة قديمة، وقطع أثاث، وحتى دراجات نارية.
لكن ما يميز المستودع فعلاً هو مفهوم “الوصول المفتوح”. لا وجود هنا لواجهات زجاجية أو مسافات فاصلة تُبقي الزائر بعيداً. بل على العكس، تُعرض القطع على رفوف معدنية مرتفعة ومنخفضة، يمكن التفاعل معها بصرياً من كل الجهات، وحتى لمسها في بعض الحالات، بعد الحجز المسبق لدى مركز الأبحاث المتخصص داخل الموقع.
الهدف من هذا المشروع، الذي استغرق التحضير له أكثر من عشر سنوات، هو كسر الصورة النمطية للمتحف باعتباره مكاناً مغلقاً ومحفوظاً للنخبة. اليوم، يستطيع الزائر أن يكتشف عن قرب كيف تُحفظ هذه الكنوز الفنية، ويُشاهد العمل المتحفي من خلف الكواليس، ويتفاعل مع خبراء الحفظ الذين يشرحون له كيفية التعامل مع القطع النادرة من دون الإضرار بها.
المفارقة أن بعضاً من هذه القطع لم يُعرض أمام الجمهور منذ عقود، من أبرزها، سقف مذهّب من أواخر القرن الخامس عشر قادم من مدينة طليطلة الاسبانية، ولوحة ضخمة أعاد رسمها الفنان ألكسندر شرفاشيدزه استناداً إلى عمل بيكاسو الشهير “امرأتان تركضان على الشاطئ”، التي تعود إلى العام 1922، وتُعرض اليوم بارتفاع يقارب العشرة أمتار.
وشبّهت المصمّمة المعمارية إليزابيث ديلر، إحدى المشاركات في المشروع، هذا المكان بمزيج غير متوقّع: متجر “إيكيا” من حيث التنظيم، ولكن بمعايير متحفية دقيقة، حيث تجاور دروع الفرسان علب البسكويت ودمى الأطفال وقطعاً من المسارح الأوروبية العريقة.
ولا شك في أن هذه التجربة ستغيّر نظرة الزائر إلى مفهوم العرض الفني. ففكرة أن يتمكّن من لمس فستان صمّمه كريستوبال بالانسياغا عام 1954، مثلاً، هي أمر كان يبدو شبه مستحيل في المتاحف التقليدية.
لكن وراء هذه الحرية المدروسة، أنظمة مراقبة دقيقة، وضوابط مناخية محسوبة، تحافظ على درجة حرارة ثابتة ورطوبة متوازنة، بما يتوافق مع المعايير العالمية للحفاظ على التراث.


