تُعدّ حادثة اقتحام دار فاطمة الزهراء – رضي الله عنها – بنت النبي محمد ﷺ من أكثر القضايا إثارةً للجدل في التاريخ الإسلامي، لأن من ينقلها أو يتبناها يصفها كمظلومية كبرى لأهل البيت، وامتداداً لما يعتبرونه سرقة “حق” علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – في خلافة النبي. تتراوح تفاصيل القصة بين تهديد بالحرق، واقتحام الدار، وصولاً إلى الاعتداء الجسدي الذي يُقال إنه تسبب في إسقاط جنين فاطمة ووفاتها. وهنا محاولة لقراءة صحة هذه الرواية، وتبيان سياقها وأسبابها.
أين وردت هذه الرواية؟
كتاب سليم بن قيس الهلالي
يُعدّ كتاب سليم بن قيس الهلالي، الذي يُدعى صدوره في القرن الأول الهجري، أقدم مصدر يذكر بشكل صريح أن عمر بن الخطاب ضرب فاطمة الزهراء، ما أدى إلى إسقاط جنينها (المحسن)، ثم وفاتها لاحقاً. جاء في الرواية:
“فأقبل عمر حتى انتهى إلى باب فاطمة، فقرع الباب، ثم نادى: يا ابن أبي طالب، افتح الباب. فلم يفتح له. فجمع عمر الحطب، فأضرم النار في الباب، ثم دفعه فاقتحم البيت، فاستقبلته فاطمة، وصاحت: يا أبتاه، يا رسول الله! ثم رفع السوط فضرب به ذراعها، فصاحت: يا أبتاه! ثم رفع السيف وهو في غمده فضرب به بطنها، فأسقطت محسنا من بطنها، ثم أخذوا علياً فاحتملوه ليبايع مكرهاً…”.
لكن هذا الكتاب محل جدل واسع بين العلماء: لم يُعرف أو يُذكر في أي مصدر قبل القرن الرابع الهجري، ونسبته إلى سليم بن قيس مشكوك فيها.
قال عنه ابن الغضائري: “كتاب لا يُعرف، وعليه علامات الوضع”.
وذكر الشيخ المفيد: “فيه أمور مستنكرة، ولا يمكن الاعتماد عليه كلية”.
لذلك، رغم كونه أقدم من روى الحادثة بتفصيلها المعروف في بعض الروايات الشيعية، إلا أن توثيقه العلمي غير مستقر.
الرواية في المصادر المبكرة
- تاريخ الطبري (ت 310هـ)
أورد الطبري رواية تقول إن عمر ذهب إلى بيت علي وفاطمة مع مجموعة من الصحابة لإجبار علي على البيعة، وقال:
“والذي نفس عمر بيده، لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم. فقيل له: إن فيها فاطمة. فقال: وإن كانت”.
لكن الرواية مرسلة، وتُروى عن سيف بن عمر التميمي، وهو متهم بالكذب والضعف عند علماء الحديث.
كما أن الطبري نفسه قال في مقدمة كتابه:
“فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة… فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدّينا ذلك على نحو ما أُدي إلينا”.
أي أن الطبري اهتم بجمع الروايات ولم يهتم بتدقيقها. واللافت أن رواية “تهديد عمر” هي رواية واحدة (شاذة) من راوٍ كذّاب، بينما في المقابل أورد نحو 100 رواية عن مقتل الحسين. فلا يُعقل أن حادثاً كبيراً كمحاولة اغتيال ابنة النبي ﷺ يُغطّى برواية واحدة فقط، بينما اغتيال حفيده – رضي الله عنه – استدعى عشرات الروايات.
- تاريخ اليعقوبي (ت 284هـ)
أشار اليعقوبي إلى محاولة عمر اقتحام البيت لإخراج من فيه، لكن لم يذكر أي عنف جسدي:
“فقالت فاطمة: والله لتخرجن أو لأكشفن رأسي وأضع قميصي على قبر رسول الله، فخرجوا وتركوه.”
اليعقوبي يُعرف بميوله الشيعية، ولم يذكر سنداً، ما يجعل روايته ضعيفة من حيث التوثيق.
- كتاب الإمامة والسياسة (منسوب لابن قتيبة، ت 276هـ)
ذكر محاولة عمر حرق بيت فاطمة، لكن لم يتحدث عن ضربها أو إسقاط الجنين:
“أقبل عمر بشيء من نار ليحرق به البيت… فقابلته فاطمة وقالت: أتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخل فيه الناس”.
لكن الكتاب نفسه غير ثابت النسبة لابن قتيبة، ما يضعف الاعتماد عليه كمصدر رصين.
* هل توجد مصادر سنية او تاريخية معتمدة تذكر القتل أو إسقاط الجنين؟ لا.
لا توجد أي رواية في كتب الحديث أو التاريخ السنية المعتبرة (كصحيح البخاري، صحيح مسلم، المسند، طبقات ابن سعد، تاريخ ابن كثير…) تذكر أن فاطمة الزهراء ضُربت أو أُسقط جنينها بسبب اعتداء. وقال علماء الرواية، إن المصدر يجب أن يكون بحجم الخبر، فلا يعقل أن واقعة صحيحة لا نجدها إلا عند راوٍ كذاب وراوٍ متعصب ورواة بلا سند.
مبايعة علي لأبي بكر
الرواية الأشهر عن مبايعة علي لأبي بكر – رضي الله عنه – وردت في صحيحي البخاري ومسلم، والرواية لمسلم:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: “لما قبض رسول الله ﷺ، اختلف في ميراثه، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد منه. قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، فلما توفيت، دفنها زوجها عليٌّ ليلًا، ولم يُؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها، ولم يبايع عليٌّ أبا بكر حتى ماتت فاطمة، فلما ماتت، بايع عليٌّ أبا بكر”.
ورواية البخاري تشير إلى أن وفاة فاطمة كانت نقطة التحول السياسي لعلي:
“وكان لعليّ من الناس وجهٌ حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر عليٌّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر”.
وهذه الرواية وردت كذلك في سنن النسائي، ومسند أحمد، وابن سعد، والبلاذري، والطبري. لكن يصعب على الطرف الآخر تقبلها أو اعتمادها، لأنها تنسف “المظلومية” من أساسها، وتؤكد أن علياً لم يستند إلى وصية، ولا إلى إجماع شعبي، وإلا لذُكر ذلك في السقيفة أو في الأحداث التي تلتها، خاصة وأن الدولة كانت في أضعف حالاتها زمن الردة، ولو وُجد سند شرعي وشعبي، لكان تغيّر مسار الحكم ممكناً.
* رأي السيد محمد حسين فضل الله
رفض السيد محمد حسين فضل الله (المرجع الشيعي المعروف) الروايات التي تتحدث عن ضرب فاطمة أو إسقاط جنينها، معتبراً أنها غير مثبتة تاريخياً، وأن الأخذ بها يسيء إلى الإمام علي عليه السلام. قال:
“روايات اقتحام بيت فاطمة وحرق الباب وضربها وإسقاط جنينها روايات غير ثابتة، ولا يمكن الأخذ بها، لأنها تسيء إلى الإمام علي عليه السلام، الذي يُفترض أنه كان قوياً شجاعاً لا يسكت على مثل هذا الظلم، خاصة وهو في داره، ومعه بنو هاشم”. “هل يُعقل أن يدخل القوم عليه ويضربوا زوجته ويكسروا ضلعها وهو لا يفعل شيئاً؟ هذا يشكك في غيرته وشجاعته، وهذا أمر لا نقبله”.
* الثابت في فضل عمر بن الخطاب
وافقه الوحي في قضايا كبرى، منها تحريم الخمر، وأسرى بدر، والحجاب لزوجات النبي، واتخاذ مقام إبراهيم مصلى. قال النبي ﷺ: «قد وافقك ربك يا عمر». رواه مسلم وأحمد والترمذي.
كان من أهل بدر:
«لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» رواه البخاري ومسلم.
ومن أهل بيعة الشجرة، الذين قال الله فيهم:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
وقال النبي ﷺ: «لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة» رواه مسلم.
وقال ﷺ:
«اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر» رواه الترمذي.
«لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» رواه الترمذي وأحمد.
«إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه» رواه الترمذي وأحمد.
“والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا قط، إلا سلك فجًّا غير فجك”. رواه البخاري ومسلم بلفظين متقاربين.
قال ابن مسعود: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» رواه البخاري. وما قاله يؤكد استجابة دعاء النبي ﷺ: “اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك” رواه أحمد، وصححه الألباني.
وقال علي بن أبي طالب عند وفاة عمر: «ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك» صحيح البخاري، حديث 3685. وقد سمّى علي أحد أبنائه “عمر”، وهو المعروف بـ”عمر الأطرف”، وله مرقد معروف في مدينة الحلة العراقية، فهل يُعقل أن يسمّي علي ابنه باسم من يُزعم أنه قاتل زوجته؟
* التشويه الممنهج لعمر في أدبيات العصر العباسي وما تلاه.
شهد العصر العباسي تحولات فكرية ومذهبية كبيرة، أبرزها صعود العنصر الفارسي داخل الدولة، وتولّيه مناصب حساسة في الإدارة والثقافة، ما فتح الباب أمام تيارات شعوبية.
وفي هذا السياق، يرى بعض الباحثين أن هناك عملاً ممنهجاً جرى لتشويه صورة عمر بن الخطاب، لكونه الرجل الذي قضى على الإمبراطورية الفارسية في خلافته. وقد تسرب هذا المنحى إلى بعض كتب الروايات والملاحم والقصص الشعبي، التي ضخّمت الروايات السلبية عن عمر، رغم افتقارها الى السند التاريخي والعلمي، وغيابها عن المصادر الموثوقة في القرون الأولى.
ثم جاء بعد ذلك دور الدويلات الشيعية – كالبويهيين والفاطميين والصفويين القدامى والجدد – في مواصلة الاغتيال المعنوي لعمر بن الخطاب لأسباب طائفية.
* الخلاصة
بناءً على تتبع الروايات وتحقيق مصادرها، يتضح أن القول بمحاولة عمر قتل فاطمة الزهراء، أو ضربها حتى إسقاط الجنين، باطل من جهة السند والتاريخ والعقل، ولا يصح جملةً ولا تفصيلاً.
الروايات التي تنقل هذا الحدث لا توجد في المصادر السنية المعتمدة، وأقدم من ذكرها هو كتاب غير موثوق النسبة ولا معتبر الرواية. بل الثابت هو الاحترام المتبادل بين علي وعمر، والمكانة التي أقر بها علي لعمر بن الخطاب، في حياته وبعد وفاته.


