يشهد الموسم الصيفي في لبنان عام 2026 تحوّلًا واضحًا في خريطة المهرجانات الفنية، في ظل الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي فرضت واقعًا جديدًا على قطاع لطالما شكّل أحد أعمدة الموسم السياحي في البلاد. وقد انعكس هذا التغيّر بشكل مباشر على حجم الفعاليات وانتشارها، بعدما تراجع عدد من المهرجانات الأساسية، مقابل استمرار محدود لعدد من النشاطات.
ورغم أن صيف 2025 كان قد شهد حركة فنية لافتة نسبيًا، فإن المشهد هذا العام يبدو أكثر انكماشًا وتبدّلًا، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا القطاع، ومدى قدرة المهرجانات على الاستمرار بالزخم نفسه، إضافة إلى حجم الإقبال المتوقع خلال الموسم الحالي.
“أعياد بيروت” في الواجهة
في ظل غياب عدد من المهرجانات التقليدية، برزت الفعاليات التي قررت الاستمرار، وفي مقدمتها مهرجان “أعياد بيروت”، الذي يشكّل هذا الصيف إحدى أبرز المحطات الفنية في البلاد.
في حديثٍ خاص لـ”لبنان الكبير”، يؤكد مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Star System، أمين أبي ياغي، أن الإقبال على حفلات “أعياد بيروت” يُعد جيدًا قياسًا بالظروف الحالية، مشيرًا إلى أن المهرجان مستمر في موقعه في “أنطلياس”، من دون أي خطط للعودة إلى “البيال” في الوقت الراهن.
ويضيف أن القطاع لا يزال قادرًا على الاستمرار رغم التحديات، كاشفًا أن المهرجان سيشهد عددًا من المفاجآت خلال الموسم، من دون الدخول في تفاصيلها.
لبنان لا يزال قادرًا على استقطاب النجوم
في حديثٍ خاص لـ”لبنان الكبير”، يرى الرئيس التنفيذي لشركة Velvet ProductionZ ، أحمد العيتاني، أن لبنان ما زال يحتفظ بمكانته على خريطة الحفلات والمهرجانات في المنطقة، بفضل جمهوره وطاقته الثقافية، مؤكدًا أن استقطاب الفنانين العرب والعالميين لا يزال ممكنًا متى توفرت الظروف المناسبة.
ويوضح العيتاني أن أبرز التحديات التي تواجه منظمي الحفلات اليوم تتمثل في ثلاثة عوامل رئيسية، يأتي في مقدمتها الوضع الأمني والسياسي، الذي ينعكس مباشرة على قرارات الفنانين ومديري أعمالهم، لا سيما أصحاب الجولات العالمية، الذين يضعون الاستقرار والضمانات الأمنية في صدارة أولوياتهم قبل الموافقة على أي حفل. ويضيف أن تراجع القدرة الشرائية في السوق اللبنانية يزيد من صعوبة تنظيم الحفلات، إذ يجد المنتج نفسه أمام معادلة دقيقة تقوم على تقديم عروض فنية بمستوى إنتاجي مرتفع، مع مراعاة قدرة الجمهور على شراء البطاقات، ما يرفع حجم المخاطرة المالية في الحفلات الكبرى.
ويعتبر أن التحدي الأبرز يكمن في غياب رؤية رسمية داعمة لهذا القطاع، مشيرًا إلى أن الدولة لا تزال تتعامل مع صناعة الحفلات والمهرجانات باعتبارها مصدرًا للضرائب والرسوم، بدلًا من النظر إليها كقطاع اقتصادي وسياحي ينعكس على الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والإعلام والإعلانات، ويوفر فرص عمل موسمية. ويؤكد أن المطلوب ليس دعمًا استثنائيًا، بل مقاربة أكثر واقعية وعدالة، تأخذ في الاعتبار الدور الاقتصادي الذي تؤديه الحفلات والمهرجانات، مشددًا على أن هذه الفعاليات ليست مجرد مناسبات ترفيهية، بل صناعة متكاملة.
ويشير إلى أن المنافسة الإقليمية أصبحت أكثر صعوبة، في ظل توفير عدد من الدول بيئات أكثر استقرارًا وتسهيلات تنظيمية أكبر، ما يجعل استضافة الحفلات الكبرى أقل مخاطرة بالنسبة إلى الفنانين والمنتجين.
ورغم هذه التحديات، يشدد العيتاني على أن Velvet ProductionZ ما زالت تؤمن بقدرة لبنان على استعادة موقعه الطبيعي على الساحة الفنية، معتبرًا أن استمرار الاستثمار في هذا القطاع يعكس الثقة بقدرة البلد على جذب الأسماء الكبيرة متى توفرت الظروف الملائمة.
ويختم العيتاني بالتأكيد أن تنظيم الحفلات في لبنان لم يعد مجرد عمل تجاري، بل قرارًا استثماريًا يحتاج إلى خبرة وثقة وشجاعة، وأن من يواصل العمل فيه يفعل ذلك إيمانًا بقدرة لبنان على الحفاظ على مكانته الفنية.
قطاع يتجاوز الترفيه
لا تقتصر أهمية المهرجانات في لبنان على كونها مناسبات فنية، بل تشكّل ركيزة أساسية للحركة الاقتصادية والسياحية خلال فصل الصيف، لما تنعكس به على نسب إشغال الفنادق، وحركة المطاعم، ووسائل النقل، والأسواق التجارية، فضلًا عن استقطاب الزوار من الداخل والخارج.
وبين مهرجانات غابت عن المشهد وأخرى اختارت الاستمرار رغم التحديات، يبدو أن صيف 2026 يرسم خريطة جديدة للقطاع الفني في لبنان. ويبقى مستقبل المهرجانات مرتبطًا بتوافر الاستقرار واعتماد مقاربة رسمية تنظر إلى هذا القطاع بوصفه رافعة ثقافية واقتصادية، لا مجرد مصدر للرسوم والضرائب.



يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.