من المسائل الكبرى التي فرّقت بين المسلمين منذ صدر الإسلام، مسألة الخلافة بعد وفاة النبي. وقد ذهب بعض المسلمين إلى القول إن الرسول نصّ على خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأوصى له بها.
غير أن هذه الدعوى، عند التحقيق العلمي والرجوع إلى النصوص الصحيحة والوقائع التاريخية، لا تصمد أمام النقد، بل تتهاوى أمام الأدلة القاطعة التي تثبت أن النبي لم يُوصِ بالخلافة لأحد، لا لعلي ولا لغيره، بل ترك الأمر للأمة لتختار خليفتها بالشورى والاجتهاد.
أولاً: غياب النص القرآني والنّبوي الصريح… ولو وُجد لما وقع الخلاف
لو كان هناك نص قرآني أو نبوي صريح في استخلاف علي رضي الله عنه، لما اجتمع الصحابة في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة. فمجرد اجتماعهم لاختيار خليفة يُعدّ دليلاً واضحاً على عدم وجود نصّ سابق أو وصية ملزمة. وكل الروايات عن مضمون اجتماع السقيفة، لم ترد فيه نصوص قرآنية أو نبوية، بل كانت المحاججة موضوعها المصلحة العامة ومن هو الأقدر على تحقيقها.
والقرآن الكريم، رغم أنه تناول قضايا دقيقة جداً مثل الإرث، والعدة، والقصاص، والزكاة، لم يرد فيه أي نص عن إمامة علي أو غيره. فلو كانت الإمامة أصلاً دينياً، لذُكرت صراحة في كتاب الله.
ثم إن علياً نفسه بايع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه: أبا بكر – وإن تأخر في مبايعته، ثم عمر، ثم عثمان رضي الله عنهم، ولم يُعرف عنه أنه احتج بوصية. بل قال: “بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد” [نهج البلاغة، خطبة الشقشقية].
بل إن النبي نفسه حين عرض دعوته على بني عامر بن صعصعة قبل الهجرة، وطلبوا منه شرطاً أن تكون لهم الخلافة من بعده، قال: “الأمر إلى الله، يضعه حيث يشاء”.
]السيرة النبوية لابن هشام (2/387)[، (البداية والنهاية لابن كثير (3/163
فهل يُعقل أن يرفض أن يمنحهم الخلافة مقابل نصرتهم، ثم يُوصي بها سراً لاحقاً؟!
ثانياً: موقف عليّ نفسه
لو كان علي رضي الله عنه منصوصاً عليه من النبي، لاحتج بهذا النص عند مبايعة الخلفاء. لكنه لم يفعل، ولم يدّعِ الإمامة لنفسه، بل بايعهم وساهم برأيه في إدارة الدولة تحت قيادتهم.
بل وقد سمّى أبناءه: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وهو ما يدل على احترامه العميق لهم ورضاه عن خلافتهم، وهو أمر موثّق في كتب التاريخ والسير.
ثالثاً: تفنيد الأحاديث التي يُستدل بها
- حديث الغدير: “من كنت مولاه فعلي مولاه”
الحديث صحيح بلا خلاف بين أهل الحديث، لكن لفظ “مولى” لا يفيد الخلافة صراحة، وإنما يحمل معاني المحبة والنصرة والولاء، كما تدل عليه السياقات اللغوية والقرائن.
وقد ورد الحديث في سياق حادثة بعد غزوة اليمن، حين اشتكى بعض الصحابة من علي، فأراد النبي أن يُبين منزلته. ولو أراد الاستخلاف، لقال بوضوح: “فهو خليفتي من بعدي”، وهو أفصح الناس.
- حديث المنزلة: “أنت مني بمنزلة هارون من موسى”
قاله النبي حين خلّف عليًاً في المدينة أثناء غزوة تبوك، والمقصود به التشبيه في المنزلة القريبة، لا في الخلافة، إذ إن هارون مات قبل موسى، ولم يخلفه في الرسالة أو القيادة.
- حديث الدار: “أنت أخي ووصيي وخليفتي”
هذا الحديث ضعيف جداً. في سنده عبد الغفار بن القاسم، وهو متروك. قال الذهبي: “هذا حديث منكر”، وقال ابن الجوزي: “موضوع”.
]العلل المتناهية 1/227[
- حديث الطير: “اللهم ائتني بأحب خلقك”
حديث في فضل علي، لا علاقة له بالإمامة أو الخلافة.
هذه الأحاديث تثبت فضل علي ومنزلته ومكانته، وهو أمر لا خلاف عليه بين المسلمين، وهناك أحاديث تشبهها في فضل بقية الصحابة الكبار.
رابعاً: شهادة عمر أن النبي لم يستخلف أحداً
روى البخاري أن الصحابة قالوا لعمر بن الخطاب حين طُعن: ألا تستخلف؟
فقال: “إن أستخلف، فقد استخلف من هو خير مني (أبو بكر)، وإن أترك، فقد ترك من هو خير مني (رسول الله).”
]صحيح البخاري، رقم 2588[
وهذا نص صريح يدل على أن النبي لم يستخلف أحداً. ولو كان هناك استخلاف لعلي، لما خفي على عمر، ولما سكت عنه الصحابة، خاصة كبار بني هاشم.
خامساً: شهادة الزبير وبني هاشم
نُقل عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أنه دخل على علي بعد بيعة أبي بكر، وقال له: إن الحجة التي احتج بها القوم لأبي بكر موجودة فيك.
وهذا دليل على أن الأساس الذي بُويع به أبو بكر كان الفضل والسابقة والمكانة، لا وصية نبوية.
وروى المؤرخون كابن عبد البر في الاستيعاب، وابن الأثير في الكامل في التاريخ، والطبري في تاريخه:
أن علياً قال للزبير يوم الجمل: “أنشدك بالله، أما سمعت رسول الله يقول لك: إنك لتقاتلنه وأنت له ظالم؟”.
فقال الزبير: “بلى، والله لقد نسيتُه، ولولا أني ذكّرتني ما ذكرتُه، والله لا أقاتلك”.
وهنا استشهد علي بحديث نبوي صريح يتعلق بالقتال، ولو كان هناك نص عن الخلافة لكان أَوْلَى بالذكر في هذا الموضع أو في غيره.
سادساً: علي نفسه لم يستخلف، بل ترك الأمر شورى
من أعظم ما يُسقط فكرة “الإمامة بالنص” أن علياً رضي الله عنه، حين طُعن، لم يوصِ بالخلافة لأحد، لا لابنه الحسن ولا لغيره، بل قال: “>لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر.”
]تاريخ الطبري، 4/130[
وقد ورد هذا الموقف بألفاظ قريبة في عدد من المصادر الأخرى:
في الكامل لابن الأثير (3/206):
> “لا، ولكن أترككم كما ترككم رسول الله.”
في الطبقات الكبرى لابن سعد (3/35):
> “ما عهد إليّ النبي فأعهد، ولكن أترككم كما ترككم رسول الله.”
في أنساب الأشراف للبلاذري (2/344):
>”قالوا: ألا توصي؟ قال: لا، ولكن أترككم كما ترككم رسول الله.”
في العقد الفريد لابن عبد ربه (4/310):
>”قالوا: ألا تستخلف؟ قال: لا، ولكن أترككم كما ترككم رسول الله.”
فحين قيل له: “ألا توصي؟” أو “ألا تعهد؟” أو “ألا تستخلف؟”، أجاب بكل وضوح: “لا، ما عهد إليّ النبي فأعهد، بل أترككم كما ترككم رسول الله.”
وهذا الموقف يؤكد أن الخلافة ليست حقاً وراثياً، ولا قائمة على نصوص سرية، بل على الشورى والاختيار.
سابعاً: علي يرى نفسه أحق… لكن الأصل هو رضا الأمة
من المهم التأكيد على أن علياً رضي الله عنه كان يرى نفسه أحق بالخلافة من غيره، وهذا موقف طبيعي ومشروع – سواء منه أو من غيره من الصحابة – بالنظر إلى فضله وسابقته وقرابته من النبي.
لكنه، رغم ذلك، لم يُعارض الأمة حين اختارت أبا بكر وعمر وعثمان، بل بايعهم واضعاً مصلحة الأمة فوق طموحه الشخصي.
وهنا تتجلى عظمة علي، فهو لم يطلب الإمامة بالقوة، ولم يشق عصا الطاعة، بل سار مع الجماعة، وصبر واحتسب، وقبل بما تراه الأمة أصلح لها.
فإن قيل: إن علياً كان له نص من النبي بالخلافة، فمبايعته لأبي بكر وعمر وعثمان تعني أحد أمرين:
إما أنه خالف أمراً نبوياً مباشراً، أو نصاً إلهياً قرآنياً.
أو أن الوصية لم تكن موجودة أصلاً.
والثاني هو الأليق بمقامه العالي، الذي لا يمكن أن يتصادم مع النصوص القطعية لو وُجدت.
الخاتمة
بجمع النصوص الصحيحة، وتحليل الوقائع التاريخية، وسيرة الخلفاء الراشدين، يتبين بوضوح أن دعوى الوصية بالخلافة لعلي بن أبي طالب لا سند صحيح لها.
لا في القرآن، ولا في السنة، ولا في أقوال علي نفسه، ولا في مواقف الصحابة، ولا في سيرة آل البيت.
الخلافة تركها النبي شورى بين المسلمين، فاختاروا أبا بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضي الله عنهم جميعاً.


