“لبنان سيسلَّم لقوى إقليمية ونعود إلى بلاد الشام” – عبارة قالها المبعوث الأميركي توم باراك كمن يلقي حجراً في بركة راكدة، فأحدثت فوراً صدمة سياسية في بيروت. وعلى الرغم من محاولته اللاحقة توضيح المقصود عبر منشور على “إكس”، قال فيه إن حديثه كان إشادة بالحكم السوري الجديد وليس تهديداً للبنان، إلا أن العبارة الأصلية لم تُنسَ بسهولة، لأنها تحمل أكثر مما تنفي، وتشير إلى تغيير في المعادلة الاقليمية.
أي بلاد شام يقصد باراك؟
ما إن انتشر كلام باراك حتى انقسمت القراءات اللبنانية: الفريق الممانع رأى في تصريحه تهديداً واضحاً بأن واشنطن باتت تقبل بتسليم لبنان إلى دمشق، شرط أن تكون دمشق الجديدة موالية لمصالحها. أما الفريق السيادي، فاعتبر كلامه دليلاً على أن الرد اللبناني على الورقة الأميركية لم يكن مرضياً كما جرى الترويج له. وأشارت مصادر في “القوات اللبنانية” لموقع “لبنان الكبير” إلى أن التصريح ينسف الرواية الرسمية اللبنانية حول الرد الرسمي على ورقة باراك، والحقيقة هي لا توافق ، وأن الأخير لم يتبنّ وجهة نظر الممانعة، بل وجّه تحذيراً إلى الدولة اللبنانية، وإلى الفريق الرافض تسليم سلاحه.
لكن هل ما قاله باراك هو فعلاً تهديد ضمني بتلزيم لبنان لسوريا أم مجرد تعبير عن امتعاض أميركي من المماطلة اللبنانية؟
في حديث خاص لموقع “لبنان الكبير”، قال ديبلوماسي لبناني سابق إن “كلام باراك لا يشير إلى وصاية سورية بمعناها القديم، بل إلى ذوبان تدريجي للبنان في فضاء بلاد الشام. وهو لم يستخدم مصطلح الوصاية، بل تحدّث عن عودة إلى بلاد الشام، أي إلى إطار حضاري – جغرافي مشترك، مركزه سوريا الجديدة التي استعادت عافيتها”.
وأضاف: “لبنان الكيان تم اقتطاعه من سوريا الكبرى في اتفاقية سايكس – بيكو ليكون دولة مسيحية بوجه غربي في محيط مسلم، لكن هذا المشروع فشل. لبنان حتى اليوم لا يزال يبحث عن هويته. ومع تفكك النظام السياسي، وغياب القرار، وتصاعد الفوضى، يصبح من الطبيعي أن يُطرح مجدداً سؤال: هل يبقى لبنان كياناً قائماً بذاته، أم يعود إلى إطار مشرقي أوسع؟”.
بلاد الشام بوجه جديد: لا أسد بل شرع
في هذا الاطار، لا بد من التذكير بأن سوريا لم تعد كما كانت. لا وجود اليوم لنظام الأسد، ولا لعلاقاته العضوية بإيران. الرئيس أحمد الشرع الذي تسلم السلطة في كانون الأول الماضي، يحكم بدعم مباشر من أنقرة، وتوافق مع الخليج، وبفكّ كامل لعلاقات بلاده القديمة مع طهران. النفوذ التركي بات ممتداً على كامل الجغرافيا السورية، ليس عسكرياً فقط، بل اقتصادياً وسياسياً. سوريا اليوم في طور إعادة التكوين، وتتحول بسرعة إلى دولة ذات وجه سني براغماتي، قادرة على استقطاب الاستثمارات والانخراط في اللعبة الاقليمية.
من هنا، يصبح كلام باراك عن “العودة إلى بلاد الشام” أشبه بتحذير ناعم، يقول للبنانيين: أمامكم مشروع مشرقي جديد تشكّل فيه دمشق الجديدة مركز الثقل، فإما أن تواكبوه بشروطكم، أو يتم ابتلاعكم كواقع سياسي متفكك، غير قادر على الحسم.
نقاط الانهيار الداخلية: من فراغ السنّة إلى سلاح الحزب
رأى الديبلوماسي السابق أن الأرضية جاهزة لهذا الذوبان الطوعي أو القسري، لعدة أسباب:
- الساحة السنية في لبنان فارغة من زعامة جامعة، وقد يرى جزء من السنّة في الشرع زعيماً عربياً – إسلامياً يمكن أن يمثل تطلعاته في غياب بدائل داخلية.
- وجود أكثر من مليون سوري في لبنان، يتداخلون اجتماعياً واقتصادياً مع النسيج اللبناني، ويشكّلون وزناً ديموغرافياً قابلاً للتوظيف السياسي.
- سلاح “حزب الله” لا يزال خارج سيطرة الدولة، ويمنع قيام قرار وطني موحد، ويثير خشية متزايدة في المحيط العربي والغربي.
- الدولة مفككة، والمجتمع الدولي متعب، والخليج فقد الثقة بالنخبة الحاكمة، ويريد ضمانات قبل أي دعم.
وفي موازاة هذا كله، يتعاظم نفوذ إسرائيل بينما يتراجع التأثير الايراني تدريجياً بعد حرب غزة، ويتقدّم الدور التركي إقليمياً بدعم، ما يجعل من “بلاد الشام الجديدة” خياراً واقعياً، لا مجرد احتمال نظري.
العودة ليست إلى سوريا الأسد بل إلى خريطة تتغيّر
كلام باراك لم يكن زلة لسان. هو تلخيص لمشهد إقليمي يقول إن لبنان الذي عرفناه يتآكل، وإن أحد الخيارات الأميركية المطروحة هو إعادة دمجه في مشرق مستجد، تقوده سوريا مختلفة – لا أسدية ولا إيرانية – بواجهة تركية وموافقة خليجية.
السؤال لم يعد: هل تعود سوريا إلى لبنان؟ بل: هل سيبقى لبنان كياناً خارج بلاد الشام القادمة؟


