لا يخفى على أحد أن النظرة الشيعية في لبنان تجاه النظام السوري الجديد، بعد سقوط الأسد، لا تزال مشوبة بالحذر وربما العدائية الصامتة. فالرئيس السوري أحمد الشرع لا يُسمّى باسمه في مجالس أبناء “البيئة الحاضنة” لـ”حزب الله”، بل يُستعاد اسمه الحركي القديم، “الجولاني”، كأن الذاكرة لا تريد أن تسقط ماضيه في فصائل قاتلها “الحزب” في القصير والقلمون، وقاتلها الجيش اللبناني في معركة “فجر الجرود”. لكن شيئاً ما تبدّل بعد القصف الاسرائيلي الذي ضرب دمشق مؤخراً، وفرض إيقاعاً جديداً على المواقف والمصطلحات وحتى المشاعر.
بيان “حزب الله” الصادر إثر العدوان الاسرائيلي على العاصمة السورية بدا مفاجئاً بنبرته الحادة، إذ وصف القصف بأنه “اعتداء صارخ على سيادة سوريا الشقيقة”، وأرفقه بإدانة شاملة تطال إسرائيل في اليمن وفلسطين ولبنان وإيران. وبلغت المفارقة ذروتها بدعوة الحزب “الشعب السوري بكل أطيافه ومكوناته” إلى الوحدة في وجه “العدو الهمجي”، وهي دعوة لا تخلو من اعتراف ضمني بشرعية الدولة القائمة ومكوناتها، ولو بحذر محسوب.
البيان أثار نقاشاً في الأوساط الشيعية بين مؤيد ومتحفظ. بعضهم اعتبر الموقف طبيعياً ضمن ثوابت المقاومة، بينما وجد فيه آخرون تناقضاً، إذ إن “العدو” الذي كان يُنظر إليه في خطاب الحزب كامتداد لمشاريع أميركية – تركية، بات الآن يُدعى للوحدة والتضامن. لكن مصادر من داخل الحزب حسمت الموقف لـ”لبنان الكبير”: العدو هو إسرائيل، ومن يقف في مواجهتها، الحزب يقف معه، مهما كانت الخلافات السابقة، ومهما سال من دم.
“إذا فتح الشرع خطاً مع المقاومة لمواجهة إسرائيل، فإن الحزب سيكون جاهزاً للمساعدة”، تقول المصادر، مشددة على أن “التاريخ مليء بأمثلة عن دماء سالت بين الإخوة ثم التصالح، ونحن كلبنانيين تقاتلنا ثم عدنا إلى صيغة عيش مشترك، فلماذا لا تنسحب هذه القاعدة على العلاقة مع النظام الجديد في سوريا؟”.
الحسابات أكبر من الشعور. فالحزب يرى أن الخطة الاسرائيلية الآن هي تفتيت سوريا، وأن مواجهة هذه الخطة تقتضي دعماً لسوريا موحدة تحت راية الدولة، أياً كان رئيسها، طالما هو نتاج خيار الشعب السوري. بهذا المنطق، لا يعارض “الحزب” وجود الشرع، بل لا يجد ضيراً في التفاهم معه، طالما أن الخلافات قابلة للاحتواء، وأن العدو المشترك لا يزال على الحدود.
أما الجمهور الشيعي، فيعيش في منطقة رمادية. هناك من استعاد مقولة الامام موسى الصدر: “نحن مع الشيطان ضد إسرائيل”، كمرتكز للموقف الجديد، وهناك من فضّل التذكير بمقولة “اضرب الظالمين بالظالمين”، وبينهما من أيّد الشرع في مواجهة إسرائيل، لكن من دون تقديم “إسناد غير محسوب” ولا تكرار لتجربة التدخل العسكري في سوريا.
المثير أن النقاش الشيعي الداخلي بات يشهد تمايزاً في النظرة إلى “الجولاني”. البعض يراه طامحاً الى أن يكون “أردوغان سوريا”، إسلاميّاً بنكهة حداثية، يلبس البذلة ويتحدث باسم الدولة، وآخرون يلتقطون إشارات الانفتاح، مثل إشادته بقتال السيد حسن نصر الله لإسرائيل، مقابل تحفظه على تدخل الحزب في الشأن السوري. حتى هذه المسافة بين المديح والنقد، تُقرأ على أنها بداية اعتراف متبادل.
ومع كل تطور، تتبدل المزاجيات. فالتطبيع السوري – الاسرائيلي إن حصل، سيكون بمثابة “قنبلة” تنفّر البيئة الشيعية من الشرع. أما اتفاق أمني محدود، أو وقف إطلاق نار غير معلن، فربما يُفهم على أنه ضرورات المرحلة. لكن إعلان عداء صريح لإسرائيل قد يقلب المعادلة ويجعل الجماهير، لا القيادة فقط، تتقبل فكرة التحالف، أو على الأقل الانفتاح، مع النظام الجديد.
المعادلة اليوم تتقاطع بين ما هو مبدئي وما هو ظرفي. العدو لا يزال هو نفسه، لكن أدوات الصراع تتبدل، والحلفاء المحتملون لم يعودوا ينقسمون بالأبيض والأسود. في زمن التحولات الكبرى، تبقى الثوابت الشيعية هي البوصلة: فلسطين، المقاومة، وإسرائيل كعدو لا يُغتفر… ومن يرفع راية العداء له، فالباب مفتوح للقاء، ولو بعد “فجر الجرود”.


