“فزعة” جنبلاطية للنأي عن فتنة السويداء… سلام يشدد على حماية الداخل

لبنان الكبير / مانشيت

بين تصاعد دخان المواجهات في السويداء وملامح التوتر في الداخل اللبناني، اختار وليد جنبلاط أن يردّ على الفتنة بصوت العقل، لا بمنطق الاصطفاف. فاستعاد، من دار الطائفة الدرزية، إرث سلطان باشا الأطرش، لا ليُسجّل موقفاً شكلياً، بل ليطلق إنذاراً وطنياً: احموا الجبل… قبل أن تمتد النار إلى كل لبنان.

هي “فزعة” درزية خالصة، لكن أصداءها وطنية الطابع، أطلقها جنبلاط في لحظة مفصلية، منعاً لتحويل السويداء إلى خاصرة رخوة في المشروع السوري الجديد، أو إلى مدخل إسرائيلي لتفكيك ما تبقى من نسيج اجتماعي سوري ولبناني. ومع هذه النداءات، برز موقف رئيس الحكومة نواف سلام، الذي ذكّر بأن “حماية لبنان تبدأ بعدم الانجرار إلى مغامرة جديدة”، مؤكداً أن استقرار سوريا شرط لحماية الداخل اللبناني، ومراهناً على “وعي اللبنانيين وحكمة الجيش”.

وفي هذا السياق، أكدت مصادر اشتراكية لـ “لبنان الكبير” أن المختارة لم تكن يوماً إلا عنواناً للسلم الأهلي، ولن تكون شريكة في فتنة تُرسم على وقع مصالح إسرائيل. وأضافت أن وليد جنبلاط لن يتردّد في بذل كل جهد لمنع تمدد أتون الفوضى السورية إلى لبنان، كما فعل في السابق، حين عارض زجّ البلاد في نار الحرب السورية.

لكن في الجهة المقابلة، وبينما يعلو نداء الحكمة في المختارة، يخرج من الهامش من يروّج لصوت الانقسام تحت عباءة الأمن الذاتي. وئام وهاب، الزعيم المفترض بلغة “الصرماية”، ما إن بدأت أحداث السويداء حتى بدأ بالتنظير لتشكيل “جيش درزي”، يواجه الدولة السورية، ويقطع الجبل عنها، متجاوزاً منطق الدولة والانتماء الوطني.

هو صوت نشاز لا يليق بجبل اشتهر بالحكمة، ولن يكون إلا انعكاساً لحالة إفلاس سياسي تبحث عن زعامة في رماد الفتنة، بعد أن فشل صاحبها في أن يكون حتى مجرّد “ظلّ زعيم”.

في المقابل، شكّل اجتماع المجلس المذهبي الدرزي محطة جامعة لتظهير خيار العقل. جنبلاط دعا بوضوح إلى وقف فوري لإطلاق النار في السويداء، وفتح باب الحوار بين الدولة السورية وفاعليات الجبل، مؤكداً وحدة سوريا، ورافضاً أي صيغة انفصالية مهما كان غلافها طائفياً أو إنسانياً.

شيخ العقل سامي أبي المنى، من جهته، لم يكتفِ بإدانة التحريض والجرائم ضد أهالي السويداء والبدو، بل حمّل الدولة السورية الجديدة مسؤولية الانفلات الأمني، وأعاد التذكير بأن “قلق الأقليات لا يُعالج إلا بعدالة الأكثرية”، رافضاً أي مشروع لتفكيك سوريا، ومحذّراً من امتداد الفتنة إلى الداخل اللبناني.

الخطير في كل ما يجري أن إسرائيل باتت طرفاً علنياً في المشهد. من منعها دخول الجيش السوري إلى السويداء، إلى موافقتها “الانتقائية” على توغلات محدودة، وصولاً إلى تقديمها مساعدات مالية ضخمة لدروز الجبل، بهدف خلق واقع شبيه بـ”المنطقة الآمنة”، لكن بغطاء إنساني – إغاثي، وكأنها تضع يدها تدريجياً على مفصل جغرافي حساس في خاصرة الشام.

هذا التدخل لم يمرّ بصمت. فالجيش اللبناني بدوره أطلق تحذيراً صريحاً، رافضاً أي محاولة للإخلال بالأمن الداخلي، ومؤكداً أنه سيكون بالمرصاد لأي فوضى قد تتسرّب من خلف الحدود. وفي خلفية هذا التحذير، إدراك تام أن الخطاب الطائفي المتصاعد قد يتحوّل سريعاً إلى اشتباك على الأرض إذا لم يُكبح في مهده.

هكذا، من دار الطائفة، رُسمت معادلة وطنية واضحة: لا للفتنة، لا للاصطفاف، لا لتكرار تجربة توريط لبنان في حرائق الخارج. هذه ليست مواقف طارئة، بل استمرار لخط تاريخي رسمه جنبلاط منذ سنوات: الحياد الإيجابي، الواقعية السياسية، وتجنّب الانتحار الجماعي باسم الغرائز.

لكن تبقى الأسئلة مفتوحة: هل تستطيع المختارة وحدها أن تمتصّ ارتدادات السويداء؟ وهل تكفي نداءات العقل في بلد يحترف الانجرار خلف الصراخ؟

الفتنة تغوي الطامحين والفاشلين معاً، لكن “الفزعة” الجنبلاطية تبقى، في هذا المشهد الملتبس، صوتاً عاقلاً قد يُبنى عليه… إن كانت هناك إرادة فعلية لعدم السقوط في الجحيم.

شارك المقال