لم يتوقّع أبناء القبيّات العكّارية اتخاذ السلطات الفرنسية قراراً مفاجئاً يقضي بترحيل ابنها الغائب عنها منذ 41 عاماً، النّاشط اللبنانيّ جورج عبد الله إلى بيروت يوم الجمعة، لا يوم السبت كما قرّرت سابقاً، لتُعلن السفارة اللبنانية في باريس حسب المعلومات الصحافية، أنّ طائرة عبد الله ستنطلق الساعة التاسعة من فرنسا، لتصل إلى لبنان الساعة الثانية والنصف بعد الظهر، فيما أفادت “وكالة الصحافة الفرنسية” بأنّ قافلة أمنية مؤلّفة من ست مركبات، ووسط إجراءات مشدّدة، “أقلّت فجر اليوم، أيّ الساعة 3:40 تقريباً بتوقيت فرنسا، عبد الله من سجن لانمزون في جنوب غرب فرنسا، إلى مطار تارب، ونقلته بعدها عبر طائرة تابعة للشرطة، إلى مطار رواسي ليستقلّ طائرة متجهة نحو بيروت”.
عبد الله الذي أمضى أربعة عقود كاملة في السجون الفرنسية لإدانته بالتورّط في اغتيال الملحق العسكري الأميركيّ في باريس تشارلز روبرت راي، والدّيبلوماسي الاسرائيلي يعقوب بارسيمانتوف العام 1982، تمّ توقيفه في العام 1984، ليُدينه القضاء الفرنسي في العام 1987 ويحكم عليْه بالسجن المؤبّد، مع العلم أنّه نفى هذه التهم مرّات عدّة، لكن فرنسا ونظراً إلى الإصرار الأميركي والاسرائيلي على إدانته، رفضت كلّ الطلبات التي تُحقّق الإفراج عنه، مع أنّه كان يتمكّن من الخروج من الزنزانة منذ 26 عاماً، لكنّ التعنّت الاسرائيلي كان يحول دون إخلاء سبيله.
وبصورة غير متوقّعة، أصدرت محكمة الاستئناف في 17 تمّوز الجاري، قرارها بالإفراج عنه، شرط ألّا يعود إلى الأراضي الفرنسية.
الرجل الذي انتقل من مركزٍ إلى آخر بسبب مواقفه المؤيّدة للقضية الفلسطينية، يخرج اليوم بعمر الـ 75 عاماً، وعلى الرّغم من هذه “السنوات العجاف”، إلا أنّها لم تتمكّن من إنهاء عقليته النّضالية التي دعمت القضية، وهذا ما أكّده في رسالةٍ نُشرت له قبيْل ساعات من خروجه من الزنزانة.
شقيق عبد الله، روبير، الذي يُتابع تفاصيل الملف العالق منذ أعوام، يستعدّ لوصول هذه الرحلة إلى بيروت بعد ساعات، فانطلق قبيل الساعة العاشرة قبل الظهر عبر طريق بيروت ليصل إلى مطار رفيق الحريري الدّولي باكراً، تحسباً لوصول الرحلة التي لم يعرف رقمها ولا توقيتها تحديداً، بحيث اعتمد على معلومات قناة “الميادين” لا على معلومات تلقّاها “رسمياً”، وذهب مسرعاً لاستقبال شقيقه، وذلك وفق ما يقول لـ “لبنان الكبير”.
في الواقع، لم ينم روبير منذ أربعة أيّام، ولم يغلبه النّعاس بسبب القلق الذي يشعر به ونظراً إلى كمّية المعلومات التي سُرّبت في هذه القضية، “لكنّنا مستعدّون لاستقباله، وتوجّه قسم من العائلة إلى المطار، فيما بقيَ القسم الآخر في القبيّات، مسقط رأسه، وشعورنا بصراحة اليوم لا يُوصف، إنّه إحساس صعب، شرف عظيم وشوق كبير يمتزج فيه الفرح والتوتر في آن، لأنّ مرور أربعة عقود، لا يُعدّ سهلاً على الإطلاق، خصوصاً أنّنا نعلم أنّ هذه العودة المنتظرة ستُغيّر حياتنا وبدأنا بتصوّر حياتنا معه من جديد، فمثلاً حين ننتظر عرساً ما، نتوتر ونتعب، فكيف بلقاءٍ ننتظره بفارغ الصبر وتعبنا لبلوغه؟”.
وعن جورج، يقول: “صحته جيّدة الحمد لله بعد عمرٍ طويل أمضاه في الزنزانة، لكن أؤكّد أنّ عقله ما زال شاباً لم يعرف الخوف يوماً أو الاستسلام”.
وفي ما يخصّ استقباله في بلدته، يُؤكّد أنّ الاستقبال عفوي ومنظم في الوقت عيْنه، “فقد تمّ تشكيل لجنة في البلدة، تتألّف من كلّ مكوّنات القبيّات، الرّسمية منها والشعبية، لتنظيم لقاء إنسانيّ بحت يجمع كلّ الضيعة”.
إلى ذلك، تستعدّ القبيّات لاستقبال عبد الله، وهذا ما يُؤكّده المختار طوني سركيس الذي يُتابع هذا الملف، قائلاً لـ “لبنان الكبير”: “الاستقبال كان سيتمّ يوم السبت، لكنّ فوجئنا بخروجه من السجن اليوم الجمعة وبالاعلان عن عودته بالطائرة إلى لبنان، وتجهيزاً لوصوله، نظمنا استقبالاً له في المركز الثقافي ليتقبّل التهاني فيه، وينتقل بعدها إلى منزله لاستكمال الاستقبال الذي سيجمع كلّ أهالي البلدة المعروفة بتنوّعها السياسيّ، لكنّها في هذه اللحظة المنتظرة، تستقبله بعاطفةٍ ليس لها مثيل”.


