فاجعة فقدَ فيها طرابلسيّ طفليْه… تفضح التقاعس!

إسراء ديب

تجلّى بعض وقائع الكارثة الانسانية التي هزّت مدينة طرابلس منذ ساعات بعد وفاة طفليْن توأميْن اختناقاً واحتراقاً في منزل والدهما الذي يقع في محلّة الرفاعية، حيث روى الأب من مستشفى طرابلس الحكوميّ في القبّة، تفاصيل الحادثة المروّعة التي رصد فيها علناً مناجاة أحد الطفليْن له وعجزه عن مساعدتهما.

عائلة محمّد عبد الرّحمن عبد الله المفجوعة اليوم برحيل جود وجواد عبد الله اللذيْن يبلغان من العمر عاميْن ونصف العام، لا تُصدّق الواقعة التي قتلت “وردتيْن” كما تُردّد، بسبب ماسٍ كهربائيّ أصاب المروحة التي تعمل على البطارية أثناء نومهما في غرفتهما الصغيرة التي تفصلهما عن غرفة الوالد الذي استيقظ فجأة عند الساعة الرابعة فجراً، ليكتشف أنّ غرفة الصغيريْن تحترق بالكامل.

وأسرع الأب المصدوم من الحدث، ليُساعد في إخماد الحريق أو إخراج طفليْه من الغرفة على الأقلّ، الا أنّه عجز عن هذه الخطوة وعن سحبهما، حتّى أنّه حاول الحصول على مياه من جيرانه ليُطفئ النّار واتصل بالاطفائية، لكن حسب روايته، فإنّ الفوج لم يتجاوب معه، وحين حاول الدّخول إلى الغرفة، اختنق من شدّة النيران التي أُخرج بسببها الطفلان جثتيْن متفحمتيْن في شقّة احترقت بالكامل وسقط سقفها، فيما لا ينسى محمّد الذي أُصيب في كتفه جرّاء الحادثة، أنّه رأى طفله جود وهو يُناشده الدخول إلى الغرفة وإنقاذه وشقيقه، لكنّ القدر شاء أنْ يُعانقا بعضهما البعض “حتّى الموت”.

الدّفاع المدني الذي تدخّل لإخماد النيران فيما بعد، سيطر عليها عند الساعة السابعة صباحاً، ووفق الوالد، فإنّ العائلة عاشت ساعات عصيبة لامت فيها عناصر فوج الإطفاء والدّفاع المدني.

الفاجعة القاسية تأتي لتكشف أمريْن: خطورة استخدام المراوح التي تعتمد على البطاريات، (ما يُقلق الكثير من الطرابلسيين بعد الحادثة)، وحجم التقصير الرّسمي بحقّ المدينة وأهلها.

فنيّ كهربائيّ من طرابلس، يُوضح لـ “لبنان الكبير” استحالة احتراق البطارية (6 فولت) وهي تكون صغيرة ولونها أسود، وحدها، لأنّها تعمل بلا كهرباء وفي حال عملها من دون التيّار، لا تحترق، “إلّا في حال تشغيلها أثناء عمل الشاحن مع التيّار الكهربائيّ، وحين تشحن البطارية، قد تُصيب الشاحن أيّ ثغرة تحرق البطارية والمروحة بعدها، وقد تكون ارتفعت حرارة الشاحن بسبب تشغيله على الكهرباء والحرارة المرتفعة في الغرفة، ما أدّى إلى حصول ماس انتهى بالاشتعال”.

أمّا في ما يخصّ التقصير الرسمي، فقد غابت الأجهزة السياسية والأمنية عن المشهد، فيما يُؤكّد مصدر من الدّفاع المدني لـ “لبنان الكبير”: “أنّ التقصير لا يأتي من عناصرنا الذين تدخلوا لدى تبلّغهم، بل من الدّولة التي لا تكترث بمدينتنا ونقص المعدّات فيها، والشباب، وجدوا صعوبة في بداية الأمر، عند الدخول إلى المنطقة التي تُعدّ شعبية وفيها الكثير من الزواريب، واضطّروا إلى ركن الآلية في مسافة بعيدة عن المنزل تصل إلى 300 أو 400 متر، وهم لا يملكون خراطيم طويلة تفي بالغرض، خلافاً لفوج الإطفاء التابع لاتحاد بلديات الفيحاء، الذي يملك آليات صغيرة، لكنّه أعلن إضرابه بسبب عدم تلقّيه رواتبه ومستحقّاته، وعلى الرّغم من التقصير بحقّه، كان يتدخل في الكثير من الكوارث الطرابلسيّة”.

ويتحدّث المصدر عن “فخ” يقع فيه المواطنون عند اندلاع كلّ حريق، قائلاً: “اعتاد النّاس الاتصال بالرّقم 175، ويعتقدون أنّه رقم مديريتنا، واتصل أصحاب الحادث بالرّقم 175 مراراً، ثمّ اتصلوا بعدها برقمنا 125، وعلى أيّ مواطن يُواجه فاجعة كهذه اليوم، المبادرة الى الاتصال بالرّقم 125، أيّ رقم مديرية الدّفاع المدني في بيروت، والتي تُحوّل المكالمة لنا لنستجيب ونصل في 10 دقائق أو أقل إلى المكان، ونحن نُحاسب أساساً على عملنا، نظراً الى وجود غرفة مشتركة بيْن طرابلس وبيروت”.

ومنذ لحظة غياب الهبات الأوروبية عن المركز شمالاً بسبب عدم ثقة الدّول الغربية بلبنان “عديم الاصلاحات”، تعيش المديرية في طرابلس، أزمة كبيرة لا تُشبه أيّ مركز آخر بدءاً من البترون ووصولاً إلى الجنوب، “فالمراكز المتبقّية تعتمد على تبرّعات سياسييها ورجال مالها وأعمالها في التمويل والتصليح كلّ مرّة، لكن في طرابلس لا حسيب ولا رقيب، واليوم تعطّلت لدينا آلية تحتاج إلى تغيير مضخّاتها أو الطرمبة، فمن سيُصلحها اليوم؟ من لا يتبرّع حتّى بألف ليرة لصالح مدينته، ويدفع آلاف الدولارات ثمناً لحفلة واحدة؟”.

ويكشف المصدر، أنّ العناصر طلبوا من أحد الرأسماليين في طرابلس (وهو صاحب مولّدات)، سيارة إطفائية صغيرة يملكها، وهي مناسبة لتدخل إلى الزواريب الضيّقة، بغية الافادة منها بعد تقديمها للدّفاع المدني، لكنّه رفض، معتبراً أنّه غير مجبر على هذه الخطوة “لكنّنا مجبرون على إخماد الحرائق التي يتسبّبون بها في المدينة بسبب مولّداتهم، وناشدناهم أكثر من مرّة التبرّع لكن لا حياة لمن تُنادي”.

وفي ظلّ الحديث عن انفراجٍ يحلّ الأزمة المالية في الاتحاد عبر بلدية طرابلس، دُفن الطفلان في مدافن باب الرّمل، بعد الصلاة عليْهما في مسجد طيْنال.

شارك المقال