تشهد الساحة اللبنانية مؤخراً تصاعداً لافتاً في العمليات الأمنية الاستباقية التي تنفذها الأجهزة العسكرية، في إطار مواجهة التهديدات الإرهابية المحتملة، والتي تزايدت حدّتها بصورة ملحوظة بعد سقوط النظام السوري. ففي ظل هذا التحوّل الاقليمي، يبدو أن الخلايا النائمة والمتسللة وجدت في الحدود المفتوحة وأجواء التوتر بيئة خصبة لإعادة تنظيم صفوفها، ما فرض على الجيش اللبناني تكثيف نشاطه الوقائي وملاحقة أي تحرك مشبوه.
ففي عملية أمنية جديدة نفّذها الجيش اللبناني يوم أمس الاثنين، تم توقيف خمسة أفراد، بينهم ثلاثة لبنانيين وسوري وعراقي، بتهمة تشكيل خلية إرهابية كانت تعد لأعمال إجرامية على الأراضي اللبنانية. ووفق بيان رسمي صادر عن قيادة الجيش، أُحيل الموقوفون على القضاء المختص بعد انتهاء التحقيقات الأولية، على أن تستكمل التحقيقات لكشف كامل خيوط الشبكة، وتحديد الجهات التي تقف خلفها، خصوصاً أن الخلفية الاقليمية والدولية لخلايا كهذه غالباً ما تكون معقدة ومتشابكة.
اللافت أن هذه العملية جاءت بعد أقل من أسبوع على إعلان مديرية المخابرات عن تفكيك خلية أخرى تضم لبنانيين مرتبطين بتنظيمات متطرفة، كانوا يخططون لتنفيذ عمليات ضد المؤسسة العسكرية بتوجيهات من جهات خارجية. ولا تزال التحقيقات جارية في هذا الملف، وسط ملاحقة حثيثة لبقية المتورطين، ما يعكس حجم الخطر الكامن وإصرار الجهات الارهابية على زعزعة الاستقرار.
لكن التطور الأخطر والأكثر دلالة على تعقّد الوضع، تمثّل في العملية النوعية التي أحبطها الجيش في مدينة صيدا، حيث أوقف شابين سوريين – خالد الزعبي ومحمد العجلوني – دخلا خلسة إلى لبنان بعد انهيار نظام الأسد، وكانا يخططان لتفجير دراجة نارية وسط تجمعات بشرية في الضاحية الجنوبية لبيروت. هذا النوع من العمليات الانتحارية يعكس نمطاً متطوراً من التهديد، يتعدى العمل الفردي إلى نمط من “الذئاب المنفردة” الموجهة عن بعد، أو حتى خلايا صغيرة مدرّبة تستغل الفوضى السورية للتسلل نحو العمق اللبناني.
في المقابل، تؤكد مصادر أمنية مطلعة لموقع “لبنان الكبير” أن معظم المداهمات التي نفذها الجيش أمس وشملت العشرات، خصوصاً في مناطق البقاع والشمال، تعود إلى خلفيات جرمية أو تتصل بملف الدخول غير الشرعي إلى الأراضي اللبنانية، ولا ترتبط جميعها بالإرهاب. لكن ذلك لا يقلل من حجم المخاطر، إذ تشير المصادر إلى أن القوى الأمنية تنفذ العديد من العمليات الاستباقية “الصامتة”، التي لا يُعلن عنها بسبب حساسيتها وارتباطها بملفات متداخلة يجري العمل عليها بسرّية تامة.
وترى المصادر نفسها أن الوضع الأمني في لبنان لا يزال تحت السيطرة، بل قد يكون أفضل من فترات سابقة شهدت تصعيدات خطيرة، إلا أن “التحول النوعي” الذي فرضه سقوط النظام السوري، أدى إلى تسلل بعض المجموعات المتطرفة إلى الداخل اللبناني، وهو أمر متوقّع في ظل الهشاشة على طول الحدود الشرقية والشمالية، والتضعضع الأمني في الداخل السوري.
وفي ضوء كل ذلك، تبدو الأجهزة الأمنية اللبنانية أمام تحدٍّ مزدوج: ضبط الأمن الداخلي من جهة، ومنع تسلل الإرهاب عبر الحدود من جهة أخرى، وكل ذلك وسط أزمة سياسية واقتصادية خانقة تضعف البنية التحتية للمؤسسات اللبنانية وتحدّ من قدرتها على الاستجابة السريعة. وبين النجاحات التكتيكية التي تحققها القوى الأمنية، والمخاوف الاستراتيجية التي تلوح في الأفق، يبقى اللبنانيون محاصرين بين تهديد متجدد… وطمأنة لا تقوى على طرد القلق.


