لم تكن جنازة زياد الرحباني مجرّد وداعٍ لفنانٍ كبير، بل لحظة وطنية تكثّف فيها الحنين، والخذلان، والفراغ السياسي والثقافي في آن. فمشهد فيروز جالسةً بصمتٍ أمام نعش ابنها لم يكن تفصيلاً عاطفياً فقط، بل مرآة لوطن فقد صوته وعقله في آنٍ واحد. هي التي رتّلت قبل عقود “أنا الأم الحزينة”، جلست اليوم في المشهد الأخير، لا تُغني، بل تُصغي إلى ما تبقّى من صدى.
زياد لم يكن ابن فيروز وعاصي وحسب، بل كان ابن فكرة التمرّد نفسها، على الدولة، على الطائفية، على اللامعقول اللبناني، وعلى المسرح الكلاسيكي الذي فجّره تحت قدميه ليعيد بناءه على قياساتنا نحن: نحن المحبطين، المتسائلين، الغاضبين، الضاحكين رغم القهر.
من الحمرا إلى بكفيا، مروراً ببيروت المنهكة، شقّ نعشه طريقه وسط التصفيق والزغاريد، كأن الناس ودّعوا آخر ما تبقّى لهم من معنى. فبين من بكوا زياد ومن صفّقوا له، وقف لبنان عارياً: بلا نغمة ولا كلمة ولا خشبة مسرح.
إنه الوداع الأكثر صدقاً في تاريخ بلد اعتاد التمثيل، لكنه لم يعرف كيف يُمثّل أمام نعش زياد.
زياد رحل، وفيروز سكتت. فأيُّ مشهد هذا، في بلدٍ لم يبقَ فيه إلا الصمت؟
في مشهدية تُقابل رمزية الصمت فيروز، وتكشف عن ضوضاء السياسة في وجه الثقافة، جاءت الضربة الجديدة من الكويت، حيث أعلنت لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن إدراج “منظمة حزب الله” وجمعية “القرض الحسن” و3 أشخاص من جنسيات مختلفة ضمن لائحة العقوبات، وتجميد الأموال والموارد الاقتصادية المرتبطة بهم.
القرار جاء استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وطلبت اللجنة من جميع المؤسسات المالية في الكويت تنفيذ المواد المتعلقة بتجميد الأصول فوراً، في تصعيد لافت على خط المواجهة مع الحزب.
الخطوة الخليجية هذه تأتي في توقيت بالغ الدقة، يتقاطع مع ضغط أميركي متجدد، هذه المرّة بصوت دونالد ترامب نفسه. الرئيس الأميركي هدّد من اسكتلندا بـ”سحق” أي محاولة إيرانية لاستئناف تخصيب اليورانيوم، محذّراً من أن إيران “توجّه إشارات مقلقة”. وقال: “قضينا على قدراتهم النووية… وإذا استأنفوا فسنقضي عليهم بأسرع مما تتخيلون”.
الرسالة وصلت إلى طهران، لكنها موجّهة أيضاً إلى حلفاء إيران في المنطقة، وأوّلهم “حزب الله” الذي بدأ يشعر أن الخناق السياسي والاقتصادي يضيق من كل صوب. من فيروز التي صمتت على نعش زياد، إلى الكويت التي فتحت لائحة العقوبات، مروراً بواشنطن التي تهدّد و”تل أبيب” التي تراقب وتفاوض… يتقدّم المشهد نحو فصل جديد من المواجهة.
وإذا كانت بيروت شيّعت زياد كمن يدفن ذاكرته وصوته، فإن التحديات القادمة توحي بأن الأزمات لن تُدفن معه. بل إن ما تبقّى من لبنان قد يكون على طاولة التسويات الكبرى، التي لا ترحم الأحياء ولا تكرّم الراحلين.


