سوريا وروسيا: صفحة جديدة بلا تبعية ولا حماية

حسين زياد منصور

مما لا شك فيه أن زيارة وزيري الخارجية السوري، أسعد الشيباني، والدفاع، مرهف أبو قصرة، إلى روسيا، تُعدّ محطة محورية في إعادة رسم العلاقات الروسية – السورية، لتُبنى على أسس الاحترام والدعم والشراكة والتعاون، بما يتوافق مع مصالح الشعب السوري. وذلك في مقابل رفض السياسات التي كانت سائدة في عهد النظام السابق، حيث التبعية والحماية لأركان النظام، إلى جانب مراجعة الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين خلال عهد الأسد، وواقع القواعد الروسية في سوريا.

وخلال مؤتمر صحافي جمع الوزير الشيباني بنظيره الروسي سيرغي لافروف، أعرب الوزير السوري عن أمله في بناء علاقة جديدة مع روسيا، في حين أكد لافروف استعداد موسكو لتقديم كل الدعم للشعب السوري.

ويأتي ذلك وسط محاولات لترميم العلاقات الروسية – السورية، وانفتاح موسكو على النظام الجديد في دمشق، لا سيما بعد دعوتها للرئيس أحمد الشرع لحضور القمة الروسية – العربية المرتقبة خلال الأشهر المقبلة في موسكو.

فكيف كانت العلاقات بين البلدين خلال العقود الماضية؟

السوفيات وحافظ

بدأت العلاقة عندما اعترف الاتحاد السوفياتي بسوريا كدولة مستقلة عام 1944. وتعززت العلاقات منذ تسلم “حزب البعث” الحكم عام 1963، نظراً لتشابه بعض الأفكار والإيديولوجيات. قدم السوفيات دعماً عسكرياً واقتصادياً لسوريا، وأنشأوا قواعد بحرية سوفياتية أبرزها قاعدة طرطوس.

ومع وصول حافظ الأسد إلى الحكم، تطورت العلاقة أكثر، وأصبح السلاح السوري يعتمد على الترسانة السوفياتية، خاصة بعد حرب تشرين عام 1973. وخلال الستينات والسبعينات، درّب السوفيات الضباط السوريين في أكاديمياتهم العسكرية، وزودوا الجيش السوري بصواريخ مضادة للطيران “SAM”، ودبابات “T-55” و”T-62″، بالإضافة إلى طائرات “Mig”.

لكن عام 1991، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ضعفت العلاقات مع تراجع الدور الروسي، وتوجّهت سوريا نحو الغرب لتحسين علاقاتها به.

بشار

مع رحيل حافظ الأسد وتوريث الحكم لنجله بشار، بالتوازي مع تولّي بوتين السلطة في روسيا، تجددت الشراكة بين البلدين. إذ سعى بوتين إلى إحياء النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، فكانت دمشق البوابة لتحقيق هذا الهدف، وأصبحت شريكاً استراتيجياً أساسياً. وفي عام 2005، ألغت روسيا نحو 70٪ من ديون سوريا مقابل تعاون وتسهيلات عسكرية واقتصادية.

الثورة

بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011، دعمت روسيا نظام الأسد، وتدخلت عسكرياً بشكل مباشر عام 2015، ما ساهم في ترجيح الكفة لصالح النظام. دعمت موسكو النظام في معارك حاسمة مثل حلب (2016)، والغوطة الشرقية (2018)، وإدلب ودرعا بين عامي 2018 و2020. كما عززت وجودها العسكري من خلال نشر منظومات الدفاع الجوي S-300 وS-400.

كذلك استخدمت روسيا حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن لمنع قرارات ضد نظام الأسد، ورعت مؤتمرات تفاوضية أبرزها أستانة وسوتشي.

لكن هذا التدخل لم يكن مجانياً، بل جنت منه روسيا مكاسب اقتصادية وسياسية وعسكرية، مثل الوجود العسكري عبر الدوريات الروسية، والدور المحوري لقاعدة حميميم.

تعاون

لروسيا أيضاً دور في مجالات أخرى، مثل الطاقة والبنى التحتية، من خلال عقود مُنحت لشركات روسية. كما شمل الدعم الروسي تحديث شبكة الاتصالات، خاصة للأجهزة الأمنية، إلى جانب التعاون الثقافي والاقتصادي، ووعود بالمساهمة في إعادة الإعمار.

توازن

رغم هذا التعاون والمكاسب، فإن لروسيا حلفاء آخرين في المنطقة، بعضهم لا يتفق مع النظام السوري. لذا، سعت موسكو إلى تحقيق توازن في علاقاتها، خاصة في ما يتعلق بالملفين التركي والإسرائيلي، فنسّقت مع تركيا حول الشمال السوري، ومع إسرائيل بشأن استهداف القوات الإيرانية.

يسعى النظام الجديد في دمشق إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات مع موسكو، بعيدة عن التبعية التي طبعت مرحلة الأسد، ومنفتحة على شراكة متوازنة تخدم مصلحة الشعب السوري.

شارك المقال