شتاء الجنوب: برد فوق أنقاض الحرب

نور فياض

بعد أن أسدلت الحرب ستارها، ما زالت المناطق الحدودية اللبنانية تحمل على وجهها ندوب الدمار، وتعاني من آثار الخراب الواسع الذي أصاب البنى التحتية. فقد شهدت قرى حدودية كثيرة دمارًا شبه كامل، ما جعل العودة إلى الحياة الطبيعية أمرًا بالغ الصعوبة. وحتى القرى التي نجت من القصف المباشر خلال الحرب، تجد نفسها اليوم مهددة بالتوغّل أو تجريف الأراضي من قبل قوات الاحتلال، ما يزيد الأوضاع الأمنية والإنسانية تعقيدًا.

ومع اقتراب الشتاء المعروف ببرودته القارسة في هذه المناطق، يقف الأهالي أمام امتحان مضاعف: إعمار البيوت لم يكتمل، والبنى التحتية الأساسية، مثل الكهرباء والمياه، ما زالت مهدمة أو غائبة. وهكذا، يجد السكان أنفسهم وجهاً لوجه أمام برد لا يرحم، وحرب جديدة مع فصول الطبيعة.

يقول رئيس بلدية رميش السابق، ميلاد العلم، في حديث لموقع “لبنان الكبير”، إن البلدة الجنوبية، التي يقطنها شتاءً ما بين 6 و7 آلاف نسمة، تواجه أزمة غير مسبوقة منذ حرب تشرين، مشيرًا إلى أنه “بعد الحرب وخلالها توقفت مؤسسات عدّة عن العمل، وبعضها لم يعد، فيما فقد آخرون فرص العمل. نشهد منذ ذلك الحين أزمة مستمرة تشمل نقصًا في المازوت، وتعطل التعليم، وارتفاع نسبة البطالة، خاصة أن معظم سكان البلدة يعتاشون من الزراعة التي فقدنا نحو 40% من مساحتها، ولم نعد قادرين على الوصول إليها بسبب محاذاتها للحدود”.

وكشف العلم أن “الصليب الأحمر أعاد تشغيل البئر الارتوازي عبر تركيب مولد كهربائي، لكن المشكلة الأبرز تبقى نقص المازوت، إذ لا يزال الحصول عليه عائقًا كبيرًا أمام استمرارية الكهرباء”، معربًا عن أمله في أن يواصل الصليب الأحمر تقديم مساعداته.

أما عن إعادة الإعمار، فأوضح أن “البلدة لم تتعرض لقصف كثيف، بل تركز الاستهداف على الأطراف، وحال المتضررين كحال جميع الجنوبيين الذين يفتقدون حتى الآن التعويضات”، مشددًا على أهمية الإسراع في توفير تعويضات عادلة، قائلاً: “الوضع في الجنوب مأساوي”.

وأشار إلى أنه، مع وفد من البلدية وبلديات مسيحية جنوبية أخرى، زار رئيس الحكومة نواف سلام ومجلس الجنوب “مطالبين بالنظر في أوضاع هذه البلدات”، لافتًا إلى أن مجلس الجنوب “رمم المبنى الزراعي في البلدة وعبّد الطريق التي كانت قد تعرضت للقصف مسبقًا”. وختم بالقول: “حالنا كحال معظم الجنوب: شتاء بلا مساعدات، والبطالة تسيطر على أهل البلدة، ونسأل الله أن يعيد الخير والسلام إلى الجنوب، وأن يعود أهله إلى قراهم ليعيشوا بألفة ومحبة”.

وفي عين إبل، وهي أيضًا منطقة حدودية، أكد رئيس بلديتها، أيوب خريش، عبر لبنان الكبير، أن “المياه عادت إلى مجاريها وتم إصلاح شبكة الكهرباء، لكننا، مثل باقي المناطق اللبنانية، نعاني من التقنين”. وأضاف: “عادت الحياة إلى طبيعتها ونأمل أن تستمر بهذه الوتيرة، ونقيم الآن المهرجانات في البلدة، ولا تخوف من أي حدث. أما بعض المهجرين فبقوا في بيروت لأسباب دراسية، ولا نعلم إن كانوا سيعودون للاستقرار في البلدة”. وأشار إلى أن “المنازل المتضررة لم تحصل على التعويضات حتى الآن، فيما تكفل أصحابها بترميمها على نفقتهم الخاصة”.

أما في القنطرة، التي تبعد خمسة كيلومترات عن الحدود، فأكد مصدر في البلدية أنه “بالتعاون مع جمعية ’وتعاونوا‘ أنشأنا غرفة مجهزة بالأدوات الطبية لمساعدة أبناء البلدة، لكن المشكلة الأساسية تبقى المياه، إذ تتغذى البلدة من ’عين القنطرة‘ التي تعرضت للتلوث بسبب القصف. وقد تمت معالجة جزء منها على نفقة البلدية، كما أعدنا الاشتراك، وبالتعاون مع كهرباء لبنان وشركة مراد صلحنا كافة الأعطال الكهربائية”.

وأوضح أن “المشكلة الكبرى تكمن في الجزء الثاني من ’عين القنطرة‘، الذي يتغذى من محطة الطيبة المربوطة بنهر الليطاني، والذي لم يتم إصلاحه إلا جزئيًا بسبب نقص التمويل، ما يحد من قدرته على تلبية حاجات جميع الأهالي”.

وأضاف: “إلى جانب أزمة المياه، سنواجه في الشتاء معضلات كثيرة، أبرزها وسائل التدفئة، إذ لا مازوت ولا إمكانية لجلب الحطب، فالأحراج أصبحت مناطق ’مشبوهة‘، ولا يمكن دخولها إلا بإذن من الجيش واليونيفيل”. وأشار إلى أن “البلدية لم تبدأ بعد بالتواصل مع الجمعيات لتأمين مستلزمات الشتاء، إذ بات ذلك صعبًا بسبب فرض قيود على التعامل مع بلديات الجنوب لأسباب سياسية”، معتبرًا أن “الطائفية والأحزاب أرهقتنا، ونأمل أن يعمل الإنسان لخدمة الإنسان، ليصبح مجتمعنا أكثر صلاحًا”.

رغم أن مشكلات الجنوب سبقت الحرب بسنوات، من تهميش البنى التحتية وغياب الخدمات وشحّ الدعم، فإن الحرب الأخيرة عمّقت الجراح وأثقلت الواقع بأزمات إضافية. ومع ذلك، لا تعويضات في الأفق، لأسباب سياسية جعلت حقوق المتضررين رهينة التجاذبات. وهكذا، يدخل الجنوب شتاءه القارس محمّلًا بأثقال قديمة وجراح جديدة، بلا مساعدات كافية ولا حلول جذرية، وكأن الحرب غادرت الأرض لكنها تركت وراءها حصارًا من نوع آخر.

شارك المقال