لبنان: صلح وستڨاليا أو أوغسبورغ

الراجح

يُطلق اسم صلح وستفاليا على معاهدتي السلام اللتين تم التفاوض بشأنهما في مدينتي أوسنابروك، والتي تلقب بمدينة السلام من بعد، ومونستر في وستڨاليا، ووقعتا في 15 أيار عام 1648. يعتبر هذا الصلح أول اتفاقية دبلوماسية في العصر الحديث، حيث أرسى نظامًا جديدًا في أوروبا الغربية والوسطى قائمًا على مبدأ سيادة الدول…

بينما جاء صلح أوغسبورغ (بالإنكليزية Peace of Augsburg) عام 1555، ليمنح حرية المعتقد الديني للمرة الأولى، إلا أنه كان قاصرًا ومحدودًا. فقد حصر هذا الحق في الحكام فقط، وسمح لهم باختيار دينهم، ليصبح هذا الدين هو الدين الرسمي لرعاياهم، والذي يرسي تحت سلطانهم ما عُرف بمبدأ “الناس على دين ملوكهم”.

وهكذا، لا زلنا على خلاف أكثريّة شعوب الأرض على دين ملوكنا الطائفيين.

خذ على سبيل المثال، مجلسنا النيابي الذي يُنتخب على أساس طائفي، بل وحتى مذهبي، والذي يفرز حكومة على شاكلته. فيبدو المجلس والحكومة أشبه بـ “مجلس الأمن الدولي”، حيث تتمتع كل طائفة بحق “الفيتو”!

ثم نأتي إلى النشيد الوطني ومآسيه. يتكرر فيه التعبير “كلنا للوطن” سبع مرات، في ثلاثة مقاطع. فهل من الطبيعي أن يؤكد النشيد الوطني على ما هو بديهي؟ فجميع المواطنين في أرجاء المعمورة هم لأوطانهم أولًا…

لا أريد الإدعاء بأنني اطلعت على كل الأناشيد الوطنية في العالم، لكني متأكد من العدد، الذي قد يكون أكثر من القليل، لم أجد هذه العبارة تتكرر ولا حتى تُذكر لا من قريب ولا من بعيد.

ولعل تكرار وتأكيد “كلنا للوطن” هو دليل على الشك في أننا بالفعل كلنا للوطن.

أما الكارثة الكبرى فتقع في المقطع الثاني من النشيد:

“شيخنا والفتى عند صوت الوطن،

أسد غاب متى ساورتنا الفتن”.

لنتأمل جيدًا. عندما تعتدي قوة أجنبية على بلد آخر، يُسمى ذلك “عدوانًا” أو “اجتياحًا” أو “غزوًا”. أما “الفتنة”، فهي خلاف أو تفسّخ داخلي بين أبناء الوطن الواحد. وفي كثير من الأحيان، لا بل في كل الأحيان، تستعين به قوة خارجية لها امتداداتها داخل المجتمع المتعدد أو المتفسخ قبل الانهيار – ما يؤدي إلى حروب أهلية، لا داعي لذكرها…

المأساة أن نشيدنا الوطني يفخر ويعتز بأن اللبنانيين، باختلاف فئاتهم العمرية، “شيخنا والفتى”، يتحولون إلى أسود غاب، “أسد غاب”، في أوقات الفتن، أي في القتال الداخلي بين أبناء “الوطن”. يا لروعة النشيد، ويا لروعة الوطن!!

أعتذر من كل الذين خالفتهم الرأي وهاجمتهم بالسياسة حين ذكروا عبارة الشعوب اللبنانية – وأية شعوب!!

شارك المقال