وجه الامين العام لـ”حزب الله” في أربعينية الامام الحسين في بعلبك سلسلة مواقف حادة تجاه الحكومة اللبنانية، متهمًا إيّاها بتسهيل الضربات على شركاء الوطن والتخلي عن مسؤولياتها في الدفاع عن لبنان. محملاً الحكومة تبعات أي فتنة أو انفجار داخلي محتمل.
وجاء في الكلمة الآتي:
“كيف تقبلون في الحكومة تسهيل قتل شركائكم في الوطن، لتعيشوا حياتكم كما وُعِدتم؟ عجيبٌ أمركم والله! أقول لكم: لا تخافوا، لا تخافوا منهم، فهم جبناء، وهم غير قادرين، ويعلمون أنهم سيخسرون كل شيء إذا أطاحوا بلبنان.
توقّفوا عن العيش في حالة التهويل، وتتذرّعون بأنكم تحاولون الحفاظ على لبنان؟ لا، أنتم لا تحاولون الحفاظ على لبنان، بل تحاولون الحفاظ على أنفسكم وحياتكم، حتى ولو أُبيد شركاؤكم في الوطن.
أهذه شراكة؟ أهذه وطنية؟
سأسألكم سؤالًا: هل يبقى لبنان أو يستقر إذا اعتدى بعض شركاء الوطن على بعضهم البعض؟
يا جماعة، لن يبقى لبنان، فلا يُعقل أن تأتي فئة أو فئات لتعتدي على فئة أو فئات أخرى، ثم تظن أنها قادرة على بناء بلدٍ في ظل نزاعٍ على أرضٍ هي حقٌ للجميع.
أقول لكم: إذا كنتم تشعرون بالعجز، وأنتم كذلك، فاتركوا العدو لنا في مواجهتنا، ولا تتصدّوا نيابة عنّا.
لا نريد منكم أن تتصدّوا، ولا أن تؤيّدوا، ولا أن ترفعوا شعار التحرير، ولا التصدي. فقط اسكتوا، اجلسوا جانبًا، واتركونا نحن.
كما فشلت حروب “إسرائيل” المتكررة على لبنان، ستفشل هذه المرّة أيضًا.
قولوا لهم عندما يطلبون منكم تنفيذ أوامرهم: لا نستطيع خوفًا على البلد.
قولوا لهم: لا نريد، لأننا نريد أن نبني بلدنا مع شركائنا.
قولوا لهم: لن نعتدي على مواطنينا وأهلنا.
فلتجتمع الحكومة للتخطيط لمواجهة العدوان، فهذه وظيفتها: تأمين الاستقرار، وإعمار لبنان، لا تسليمه إلى متغوّلٍ إسرائيليٍ لا يشبع، ولا طاغيةٍ أمريكيٍ لا حدود لطمعه.
لا أعلم إن كنتم تشاهدون التلفاز أو تتابعون وسائل الإعلام.
هل سمعتم ورأيتم رئيس الأركان الإسرائيلي يجول في الجنوب المحتل، ويُبارك لجنوده هذا الاحتلال، ويعدهم بالمزيد من أجل “إسرائيل”؟
ما جوابكم، يا من تدّعون السيادة؟ يا من تحتكرون السلاح؟
ما هو موقفكم من هذا الفعل؟
سأسأل سؤالًا آخر: هل سمعتم نتنياهو يتحدث عن “إسرائيل الكبرى”؟
و”إسرائيل الكبرى” تعني كل فلسطين، وأجزاء من مصر والأردن وسوريا ولبنان.
وهو يقولها الآن في نشوة “الانتصار” التي يعيشها، وفي ظلّ الدعم الأمريكي الجارف لهذه الطاغية.
ما تعليقكم؟
هل يُعقل أن تسمعوا كل هذا وتروا التوسّع والاعتداء بأمّ أعينكم، ثم لا تتحركوا؟
صدرَت بيانات إدانة؟!
ضع ما شئت من بيانات الإدانة، حتى لو كانت أطنانًا، فهي لا تساوي شيئًا، تصلح فقط للاستحمام، لا غير.
قل لي ماذا تفعلون على الأرض؟
اليوم، أصبحنا نتمنّى من بعض الدول العربية ألا تُدين فقط، بل أن تسكت، فقط أن لا تدعم “إسرائيل” سرًا، من خلال الاعتداء على المقاومين، والمساهمة في ضربهم.
وعلى كل حال، فإنّ الحكومة اتخذت قرارًا في غاية الخطورة، خالفت فيه ميثاق العيش المشترك، وهي بذلك تعرّض البلد لأزمة كبيرة.
فأين سقف الدستور؟ في الفقرة (ي) منه، يُقال: “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”.
أنتم قد ناقضتموه اليوم.
وفي البيان الوزاري للحكومة يُقال: “إن الدفاع عن لبنان يستدعي إقرار استراتيجية أمن وطني على المستويات العسكرية والديبلوماسية والاقتصادية”.
فأين هي هذه الاستراتيجية؟ ومع مَن تناقشونها؟
لقد ضربتم الاستراتيجية، والأمن الوطني، ورفضتم كل شيء.
هل تريدون الآن نزع الشرعية عن المقاومة من خلال اجتماعات الحكومة وقراراتها؟
أولًا: لا الطائف، ولا البيان الوزاري، ولا أي من المسارات السياسية، يُعطيكم هذا الحق.
ثانيًا: الشرعية للمقاومة لا تأخذها منكم، بل من الدماء، والتحرير، والحق، والأرض. وهي لا تحتاج شرعيتكم أصلًا.
اذهبوا واستغفروا الله، وافعَلوا ما يُعبّر عن أنكم شركاء يمكن الوثوق بهم لبناء لبنان معًا.
لا تزجّوا الجيش في الفتنة الداخلية.
الجيش الوطني سجله ناصع، وقيادته اليوم لا تريد الانجرار إلى هذا المسار.
فلا تحشروه، ولا تحشروا البلد في المأزق.
قد يسأل البعض: لماذا، بعد اتخاذ الحكومة لهذا القرار اللا ميثاقي، لم تنزلوا إلى الشارع؟ ولم تنظّموا تظاهرات حاشدة؟
لقد بلغنا أن السفارة الأمريكية تتساءل بدهشة: لماذا لم ينزل الشيعة والمقاومون إلى الشارع؟
ماذا تريدين يا سعادة السفيرة؟
هل لا يستقيم الأمر لديكِ إلّا إذا شهدتِ تظاهرات ضخمة؟
سأقول لكم بكل وضوح: كانت هناك أفكار تدعو للاعتراض الشعبي في الشارع.
لكنّ “حزب الله” و”حركة أمل” اتفقا على تأجيل هذه الخطوة، إفساحًا في المجال أمام النقاش، والتعديلات، والفرص، قبل الوصول إلى المواجهة، التي لا يريدها أحد.
لكن إن فُرضت علينا، فنحن لها، ومستعدون لها، ولا خيار أمامنا.
وحينها، سيكون هناك تحرك في الشارع يعمّ لبنان، ويتوجّه إلى السفارة الأمريكية، ويقوم بما يلزم لنصرة الحق وإبراز الحضور والوجود.
حينها سيكون لكلّ حادث حديث.
أما البقاء في الحكومة، فكان من منطلق اعتبار جلسَتَي الخامس والسابع من آب جلسات غير ميثاقية، وكأنهما لم تكونا في سجلّ الحياة الوطنية اللبنانية.
وبقينا فقط كي لا نتركهم وحدهم، ولنبذل جهدًا في إعادتهم إلى طريق الصواب.
تريدون أن تعرفوا موقف “حزب الله”؟
يبدو أنكم تنتظرونه منذ زمن، رغم أننا كرّرناه مرارًا.
ولكن اليوم سأقوله بصريح العبارة:
لن تُسلّم المقاومة سلاحها، ما دام العدوان قائمًا والاحتلال مستمرًّا.
وسنخوضها معركة كربلائية إذا لزم الأمر، في مواجهة المشروع الإسرائيلي الأمريكي، مهما كلّفنا، ونحن واثقون أننا سننتصر.
و”هيهاتَ منّا الذلّ
“تتحمل الحكومة اللبنانية كامل المسؤولية عن أي فتنة قد تقع.
نحن لا نريدها، لكن هناك من يعمل لها.
تتحمل الحكومة مسؤولية أي انفجار داخلي، وأي خراب قد يصيب لبنان.
تتحمل الحكومة مسؤوليتها في تخليها عن واجبها في الدفاع عن أرض الوطن ومواطنيه.
لستم معذورين باتخاذ هذه القرارات التي أدّت إلى تهديد استقرار البلد.
قوموا بوظيفتكم في تأمين الاستقرار، والدفاع عن لبنان، وحمايته، لا أن تكونوا شركاء في العدوان على مكوّنٍ بأكمله، وعلى كلّ المؤيدين للمقاومة من مختلف الجهات والطوائف والمناطق.
لنكن معًا في بناء البلد، لنربح معًا.
لا يُبنى البلد لمكوّن دون آخر. هذه أرضنا جميعًا، ووطننا جميعًا، نحيا بعزّةٍ معًا، ونبني سيادته معًا.
وإلّا، فلا حياة للبنان إذا كنتم ستقفون في الجهة المقابلة، تحاولون القضاء علينا.
لا يمكن أن يُبنى لبنان إلا بكلّ مقوّماته.
إما أن يبقى ونبقى معًا، وإما فعلى الدنيا السلام.
وأنتم تتحمّلون المسؤولية، وعلى الله الاتكال.
وأكرّر القول: ما تركتُك يا حسين.”


