“مغالطات باسيلية” في طرابلس!

إسراء ديب

عبّر طرابلسيّون اليوم عن استغرابهم من الخطاب الذي ألقاه رئيس “التيّار الوطني الحرّ” النّائب جبران باسيل في مدينتهم قبل ساعات، إذْ شعروا بأنّهم يسمعون كلامًا من رجل آخر أو لمدينة أخرى لا تمت لفيحائهم بصلة. وقد زاد من استغرابهم تضمّن الخطاب مغالطات عديدة حول إنجازات أو مشاريع يزعم باسيل أنّه حقّقها أو يعمل عليها في المدينة، ممّا أثار تساؤلات حول أهداف رئيس التيّار “البرتقالي” الانتخابية في طرابلس مع اقتراب موعد الاستحقاق.

يبدو أنّ توجّه باسيل، الذي يستعدّ للمعركة الانتخابية المقبلة العام 2026، ما زال غير واضح المعالم. لكن أهدافه واضحة على الأرجح، وزيارته الأخيرة، بأبعادها السياسية والاقتصادية، تُؤكّد اهتمامه بالوضع خصوصًا في ظلّ التغيّرات الجارية في سوريا وانعكاساتها المحتملة على مرافق طرابلس ومشاريعها. بالإضافة إلى ذلك، صرّح باسيل قائلًا: “لدينا الرغبة بالاهتمام بطرابلس من النواحي كافة، ونرغب في أن نعمل للمدينة من أيّ موقع نكون فيه”، ويُشير كلامه إلى أنّه لن يتخلّى عن المنطقة وتبدّلاتها، حتّى تلك التي ترفض وجوده فيها كطرابلس، مع أخذه بالاعتبار، حصول حزب “القوّات اللبنانية” على مقعدٍ نيابيّ في المدينة العام 2022، من هنا، يسعى باسيل إلى تحقيق خطوة مماثلة في الانتخابات القادمة.

والتقى باسيل مناصريه منذ ساعات في العشاء الذي نظمته هيئة قضاء طرابلس في التيّار بأحد مطاعم الضم والفرز، كما جال في شارع المينو- الميناء. لكن وبعد زيارتيْن سابقتيْن للمدينة، لم يعقد حتّى الآن لقاءات شعبية تتجاوز نطاقه المحدود، وهذا الانتقاد الشائع أخيرًا.

اللافت أنّ العشاء الذي أُقيم في المدينة قد شهد حضور الرّئيس السابق ميشال عون، وبذلك اكتمل المشهد العونيّ في طرابلس. وقد ألقى صهره كلمة نفى فيها الشائعات التي تتهمه بالطائفية أو العنصرية تجاه المدينة، مؤكّدًا أنّ طرابلس تُمثل الوحدة الوطنية والتنوّع، ومشدّدًا على أنّ “لبنان من دون طرابلس ليس لبنان، وطرابلس من دون لبنان ليْست طرابلس”، كما أكّد أنّه لا فرق بيْن البترون وطرابلس وأنّ هناك من اختلق قصصًا بيْنهما، وكذلك بيْن المدينة والتيّار.

إلا أنّه ربما يتجاهل تعطيله لمشاريع طرابلسية لم تكن لتمرّ إلّا بموافقته، في حين أنّه حشد الدّعم المسيحيّ لتسويق مشاريعه، وعلى رأسها معمل سلعاتا- البترون. ومن ينظر إلى البترون يرى الفرق الشاسع بينها وبيْن طرابلس التي يتغنّى بها وبموقعها وبمكانتها، في وقتٍ تنتعش فيه منطقته بالمشاريع السياحية.

وإنْ كان نواب طرابلس يتحمّلون مسؤولية عدم معالجة قضايا مدينتهم بأمانة وعدم إعطائها الأولوية كما يفعل باسيل في البترون، إلا أنّ البعض يرى أنّ ما يقوم به الأخير هو محاولة ديمقراطية مشروعة، لكنّها تُعتبر “وصمة عار” بالنّسبة لمعظم أبناء المدينة. هذه الوصمة هي نفسها التي روّج لها بعض نواب طرابلس منذ أعوام بعد ترشح نائب “القوّات” الياس الخوري في طرابلس، والذي نجح وفاز بمقعده.

ويبدو أنّ رئيس “التيّار” يُوجّه ضربة استباقية في الشمال، متفوّقًا على الأحزاب والتيّارات الأُخرى، وذلك بسعيه الحثيث نحو كسب تأييد سنّي يضمن له نفوذًا سياسيًا واسعًا. إلا أنّه قد يغفل عن حقيقة أنّ ذاكرة طرابلس تحتفظ بسجّله المثقل بالعراقيل التي جمّدت التنمية الاقتصادية في المدينة، بالإضافة إلى فترة ولاية محافظ طرابلس والشمال السابق رمزي نهرا، الذي عانت المدينة من ممارساته “البلطجية” المدعومة من باسيل، وهو أمر لا يمحوه النّسيان.

ولا تقتصر المشكلة على كلام باسيل فحسب، بل تتعدّاها إلى ثقته الكبيرة بنفسه، خصوصًا عندما تحدّث عن إنجاز التيّار سبعة مشاريع في وزارة الطاقة بقيمة تتجاوز المليار دولار في طرابلس: من قاديشا، معمل دير عمار، محطّة الغاز بالميناء، محطة التخزين في البداوي (التي أُلزمت ثمّ توقّف العمل بها)، بالإضافة إلى محطّة الصرف الصحي، (حيث زعم باسيل أنّه أعاد العمل بها “ما أزعجهم” على حدّ قوله)، مع سدّ نهر البارد الذي “بدأنا بدراسته” ومصفاة البدّاوي…

إنّ استخدام باسيل لضمير “هم” في خطابه يُذكّرنا بمقولة “ما خلونا” المعتادة. ويتضح أنّ باسيل، كغيره من النواب، يعيش في فقاعة من الوهم تتسع مع اقتراب أيّ استحقاق. ويُمكن القول، إنّ أهالي طرابلس لا ينتظرون مشاريع باسيل بقدر ما يتطلّعون إلى تغيير حقيقي في مناطقهم وأحيائهم، خصوصًا مع التطوّرات الأخيرة التي قد تُفعّل دور المدينة واستثماراتها، لذلك، يرى أبناء المدينة، أنّ السياسيّ الذي “كوّع” عن حليفه ومبادئه لا يُمكن الوثوق به للالتزام بمشاريع طرابلسية، لا سيما أنّه لم يذكرها إلّا بعد أنْ أصبحت جزءًا من مشروع التعافي الاقتصادي في المنطقة.

شارك المقال