السعودية على عتبة المئوية: وطن يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى

نزار عثمان السمندل

اليوم الوطني السعودي الخامس والتسعون ليس يوماً عادياً في الروزنامة، ولا احتفالاً بروتوكولياً يُضاف إلى سلسلة مناسبات، بل مرآة تتسع لتاريخ كامل، ونافذة مفتوحة على مئة عام تتقدّم بخطوات واثقة. 

يومٌ يذكّر الدنيا بأجمعها، بأن مشروع التأسيس السعودي لم يكن مجرد جمع رمال متفرقة تحت راية واحدة، بل كان اجتراح أسطورة سياسية واجتماعية ولغوية جديدة: تحويل الصحراء إلى وطن، وتحويل الولاءات المبعثرة إلى هوية جامعة.

في لحظةٍ إقليمية تعصف فيها الانقسامات بالدول وتتشظّى الهويات، بدت السعودية استثناءً شديد الوضوح: دولة لم تُحبس في ذاكرة الماضي، ولم تفقد بوصلة المستقبل. هويتها ليست أحجاراً ثقيلة تُقيّدها، بل طاقة متجددة تُحرّكها. 

في كل مرة تعجز دول عن صيانة كيانها، كانت الرياض تكتب فصلاً جديداً في قصة الوحدة، لتتحوّل إلى مركز ثقل، مؤهل ليكون مفتاح استقرار الشرق الأوسط.

هذه ليست حكاية دولة فحسب، بل رواية كبرى يتوارثها السعوديون جيلاً بعد جيل: الماضي تراث لا يصدأ، والحاضر مشروع مفتوح على الغد، والغد سؤال يتقدّم بجرأة: كيف تتحوّل الأرض إلى معنى، والمعنى إلى سلطة، والسلطة إلى مستقبل؟

حين وُلدت “رؤية 2030″، تعامل معها خبراء مساكين على أنها خطة اقتصادية؛ لكنّها في حقيقتها فلسفة جديدة لبناء الدولة. فلسفة تُعلن أن المواطن هو المحور، وأن الطموح لا سقف له، وأن التنمية لا تُختزل في الأرقام بل تمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين الفرد ومؤسسته، وبين الوطن وموقعه في النظام الدولي. فجأة تحوّلت السعودية إلى ورشة كبرى: “نيوم” كمدينة ذكية تعيد تعريف العمران، الطاقة الخضراء كمغامرة تكسر قوالب ريع النفط، الحوكمة الرقمية كمنهج جديد لإدارة الدولة، وحرب شاملة على الفساد والتطرف كشرط لبناء المستقبل.

الأرقام هنا ليست جافة؛ فهي نصوص أخرى للمعنى. اقتصاد يتجاوز 1.4 تريليون دولار، استثمارات أجنبية تتدفق بالمليارات، مشاركة نسائية صاعدة تقلب موازين سوق العمل، مدن سعودية تتقدّم في مؤشرات جودة الحياة. حتى في الطاقة، تجاوزت المملكة الثنائية التقليدية: فهي منتج نفط عملاق، لكنها في الوقت نفسه أحد أوائل المستثمرين في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والرياح. كأنها تقول: الماضي قوتنا، لكن المستقبل خيارنا.

سياسياً، ما عادت الرياض لاعباً إقليمياً قوي الشكيمة فحسب، بل صارت رمانة الميزان. قادت وساطات وأجلست فرقاء إلى طاولات التفاوض. توسطت في الحرب الأوكرانية، وسَعَت في لملمة جراحات غزة واليمن والسودان. أثبتت أنها ليست مجرد طرف في الأزمات، بل صانعة لحلولها.

في موازاة القوة الصلبة، تبني السعودية قوتها الناعمة: معارض كتب تستقطب، جامعات تتسع، فنون تتجدّد، ومواسم ثقافية تعيد رسم صورة الدولة وإنسانها. القوة هنا ليست رفاهية، بل ركيزة لبناء حكاية جديدة تعيد تعريف الهوية السعودية في عيون العالم.

عند هذه العتبة، عتبة المئوية، يدرك السعوديون أن التحدي الحقيقي ليس في جمع ما تحقق فقط، بل في حراسة القدرة على إعادة الاختراع. أن يكون القرن الثاني أكبر من مجرد استمرار.. يكون قفزة إلى ما وراء الممكن. فالمئوية ليست ذكرى لالتقاط الصور، بل وعد مفتوح بأن الوطن الذي حوّل الرمل إلى كيان، قادر على أن يحوّل القرن المقبل إلى أسطورة جديدة، تُكتب بأيديهم، وتُروى بلغتهم، وتُقدَّم للعالم كواحدة من كبرى حكايات القرن الحادي والعشرين.

شارك المقال