رغم كل الحرص، وكل الجدية، وكل محاولة لتفهم سياسة رئيس الجمهورية، لم أفهم من كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة شيئًا مما علق في ذهني من خطاب القسم.
إنه خطاب الضياع السياسي الذي عرفناه على مدى عقود، لكنه هذه المرة ارتدى ثوبًا بلون لم أستطع تحديده، مع أنه رمادي داكن–فاتح… لا أدري!
المهم أنني لم أفهم كيف ربط فخامة الرئيس، حين تحدث عن لبنان العلماني (وأعرف أنه قصد الدولة المدنية)، وبين كونه الرئيس المسيحي الوحيد بين دول المنطقة!
الأمر الثاني الذي لم أستطع فهمه على الإطلاق، كان الحديث عن السلام دون أي تصور أو خطة أو خارطة طريق، مع رفض شبه مطلق للتفاوض السياسي مع العدو الإسرائيلي. وليس المطلوب التفاوض المباشر أبدًا، ولكن كيف نتفاوض إذًا من أجل السلام؟
كلمة الرئيس في نيويورك تؤكد أن ما تقرر في 5 و7 آب قد نُسف في أيلول، حين رحّبت الحكومة بخطة الجيش التي نسفت المهلة الزمنية المحددة في 5 آب، ما أعادنا إلى دائرة الإبهام.
خطاب الرئيس، الذي انتُظِر ليكون إعلانًا لموقف سيادي يتماشى مع خطاب القسم، جاء رسالة رمادية لا تحدد موقفًا ولا ترسم مسارًا ولو حتى استراتيجيًا. اختار الرئيس نواف سلام الحسم، فيما اختار (الرئيس) التردد. وبالإذن من رئيس حزب الكتائب، فهذا لا يعني دق إسفين بين الرئيسين، غير أن ما نعرفه عن الشيخ سامي من جرأة يتطلب شرحًا لهكذا مواقف من فخامة الرئيس، إلا إذا وقعنا في فخ الحفاظ على المنصب المسيحي الأول في الدولة!!
ما أهمية المناصب، ومهما علت، إذا كانت تُمارَس في عالم الفراغ أو العالم الافتراضي الذي نعيشه هذه الأيام؟
في ظل هذا اللون الرمادي، يبقى لبنان ومعه اللبنانيون في دائرة الانتظار التي طال أمدها، إذ إن هكذا مواقف لا تقود إلى أي فعل، وهكذا سياسة لا يمكن أن تمتلك الجرأة لاستعمال أدوات التنفيذ.
وبصفتي واحدًا من “الديناصورات المتمردة على الانقراض”، أستذكر قرارًا صادرًا عن مجمع الرهبانيات اللبنانية في القرن الماضي بشأن تعزيز اللغة السريانية في جامعة الروح القدس ومدارس الرهبانية. كان الانطباع السائد أن هذا الاهتمام يندرج ضمن العادة المتبعة للعناية باللغات القديمة الحية، مثل اللاتينية واليونانية والسريانية. لكنني اكتشفت أن الأمر كان مختلفًا كليًا؛ إذ صدر القرار بإدخال اللغة السريانية بديلًا عن اللغة العربية. وإذا كان القارئ على علم بأن عدد مدارس تلك الجهة يوازي أو يفوق مدارس الدولة اللبنانية، فلا مفرّ من صرخة: “راحت علينا”.
حين قرأت قرار الرهبانية في تلك الأيام، ذكّرني بحوار قرأته بعد مدة، دار مع أحدهم كان قد “أيّد” وأُعجب بالإمام البدر أثناء حرب اليمن (1962-1967). قال له زميله: “يا أستاذ، ما أسباب هذا التأييد للبدر في اليمن؟” فرد: “أنا ضد جمال عبد الناصر”. فشرح له زميله تصوره على الشكل التالي: أن تكون ضد عبد الناصر أو معه، فهذا من حقوقك، ولا أحد يجادلك فيه. وأن تعجب بـ”نيلسون” البريطاني أو “هارد” الألماني، فذلك أيضًا من كامل حقوقك. أما أن ترفض عبد الناصر بتهمة أنه “عروبي متخلف” لتؤيد إمام اليمن بدر بن أحمد بن حميد الدين، فهذا ما لا أفهمه!!
وأنا بدوري، لن أدخل في كل ما جرى قبل وبعد احتفالية الروشة، لكن من حقي الاعتراض على رفع العلم الإيراني في قلب بيروت. ومن حقي أيضًا الاعتراض على أن توجه إيران رسالة إلى أمريكا والعالم من عاصمتنا!! وبعدها يُكرَّم من سمح بهذا بأعلى وسام من أوسمة الجمهورية، تحت عناوين إضافية من مثل “الميثاقية”، و”الديمقراطية التوافقية”، والآن “السلم الأهلي”، المرفوعة في وجهنا صبح مساء.
يا سرياني يا فارسي، “راحت علينا”.


