“بركة” الانتخابات تحلّ على الطرابلسيين؟

إسراء ديب

تحوّلت مدينة طرابلس إلى واجهةٍ انتخابية بارزة قبيْل أشهرٍ من الاستحقاق النيّابي المقبل، وعلى الرّغم من عدم تبيان مشهدية التحالفات أو المرشحين بعد، تلفت مبادرات الكثير من السياسيين الحاليين أو السابقين، إضافة إلى رجال الأعمال، إلى أنّ المعركة ستبدأ مبكرًا وأنّ المنافسة ستكون على أشدّها.

في العلن، تتجلّى المنافسة الحادّة بصورة جلية بيْن نواب طرابلس الحاليين، وتحديدًا بيْن النّائبيْن إيهاب مطر وفيصل كرامي، اللذيْن يتصدّران المشهد في مختلف الملفات المتعلّقة بالمدينة. ويأتي هذا في ظلّ تراجع ملحوظ في مستوى المنافسة من النوّاب الآخرين لهما، ليْس في تسجيل المواقف فحسب، بل في الحضور والتعبير عن الرّغبة في التنافس السياسيّ أيضًا. ويُمكن القول، إنّ هذا التراجع استدعى استغراب البعض، خصوصًا أنّ النّائب أشرف ريفي كان قد أشار قبل حوالي أربعة أشهر إلى أنّه قد لا يترشح في الانتخابات المقبلة.

أمّا في المضمون، فإنّ الانقسام قائم بيْن نواب المدينة، حتّى مع تحالفاتهم في بعض الاستحقاقات، نظرًا لتداخل البعديْن السياسي والعائلي في المنافسة كالمعتاد. وغالبًا ما تُهمل الاعتبارات التنموية التي ينبغي أن تكون أولوية، فتقتصر الحملات الانتخابية أو جهود الماكينات غالبًا على دعم قدامى السياسيين أو المخضرمين في المدينة الذين يعتمدون على تاريخهم وخبراتهم، أو الذين يتكئون على امتدادهم العائليّ، وذلك في مواجهة السياسيين الذين ما زالوا يوصفون بـ “الجدد على الساحة”، والذين يستهدفهم عادة، السياسيّون القدامى.

حتّى اللحظة، لم تدخل المدينة فوضاها الانتخابية المعتادة والتي أُطلقت شرارتها بالفعل مع زيارة رئيس التيّار الوطني الحرّ النّائب جبران باسيل إليْها قبل ثلاثة أسابيع تقريبًا، ولم تشهد بعد “العجقة” المتوقّعة من الصور الإعلانية على اللافتات والجدران في الفترة المقبلة. ومع ذلك، ستدخل عاصمة الشمال مرحلة حيوية شكلًا ومضمونًا في ما يتعلّق بالترشح.

يُمكن التأكيد أنّ التحدّي اليوم يكمن في تقديم برنامج انتخابيّ يتصدّى للواقع الحاليّ ويُقدّم إجابات دقيقة للأهالي الذين يُواجهون الويلات في ظلّ غياب الأساسيات الحياتية: انقطاع الكهرباء، حرمان مناطق وأحياء عديدة جزئيًا من المياه، ارتفاع فواتير المولّدات الخاصّة وجشع أصحابها، تراكم النّفايات، الوضع الصحي المأساوي للمواطنين وعجزهم عن العلاج، بالإضافة إلى غياب البنى التحتية والمشاريع والأموال اللازمة لنهوض المدينة وتأمين فرص العمل عبر الاستغلال الأمثل للمرافق والكنوز الاقتصادية.

وفي خضمّ الآمال الشعبية بأنْ تستعيد عاصمة الشمال بريقها المفقود نتيجة الأزمات المتراكمة، وكذلك في ظلّ أمل الكثيرين بعودة الرّئيس سعد الحريري إلى العمل السياسيّ ليُحدث، برأيهم، تغييرًا في كثيرٍ من المعادلات، يتضح من خلال رصد بعض التحرّكات الانتخابية أخيرًا أنّ النّشاط الانتخابي يُركّز على مرحلتيْن: الدّعم المالي الذي يسبق الانتخابات، والتركيز على الملفات الطرابلسية، والتي ارتبط آخرها بمرفأ طرابلس.

وعن الدّعم المالي الملحوظ، لا سيما دعم بلدية طرابلس، برزت مبادرة للوزير السابق محمّد الصفدي الذي قدّم للبلدية منذ ساعات 180 ألف دولار لدعم مشاريعها التي ستُنفّذها، مؤكّدًا أنّ هذا الدّعم يُجسّد التزامه تجاه المجتمع المحلّي.

وأثار الدّعم الذي أُعلن عنه خلال مأدبة غداء، بلبلة في المدينة، إذْ اعتبره البعض مفتاحًا انتخابيًا ومحاولة لاسترضاء الجمهور بعد غياب طويل، بينما رأى آخرون أنّها محاولة لإقحام زوجته، فيوليت الصفدي، التي شغلت منصب وزيرة الدّولة لشؤون التمكين الاقتصادي للنساء والشباب في حكومة الحريري، في هذا الاستحقاق. وقد حضرت الصفدي أثناء إطلاق مشروع “ترابُط” الذي يُموّله الاتحاد الأوروبي وتُنفّذه مؤسسة الصفدي بالشراكة مع AIDA، وبالتعاون مع بلدية طرابلس واتحاد بلديات الفيحاء. وفي المقابل، رأى البعض أنّ الصفدي حاضر وممثّل من خلال مركزه الكائن في المعرض، حيث يُوظف عددًا من الشبّان والشابات.

وبعد أنْ خفّت الضجّة التي أُثيرت حول الإجراءات المشدّدة للكشف على حاويات مرفأ طرابلس، والتي جاءت بموجب كتاب صادر عن وزير المال ياسين جابر، وظهور آراء تعتبر أنّ هذه الإجراءات لم تُتخذ إلّا في مرفأ طرابلس دون العاصمة، جاء ردّ الوزارة حاسمًا ونفى كلّ هذه المزاعم. وقد أكّد الوزير جابر أنّ الهدف كان استعادة الثقة بالمرفأ، وذلك بعد مصادرة حاويات مشبوهة أخيرَا أضرّت بسمعته.

وشهد هذا الملف، قبل حلّه، مواقف وتدخلات سياسية كثيرة، فسّرها مراقبون بأنّها تعكس حجم التنافس السياسي والانتخابي في المدينة. ويُؤكّد المراقبون أنّ هذه التدخلات، التي تواصلت مع وزير المال، عادت بالنّفع على طرابلس أساسًا، ودفعت الوزير إلى الردّ وإنهاء المشكلة.

ويقول أحد المراقبين: “لا ندري كيف ستسير الأمور انتخابيًا في طرابلس، فالغموض ما زال سيّد الموقف، وهذا طبيعيّ، لكنْ توجيه الجهود نحو هدف واحد هو خطوة إيجابية، وهذا ما كان مطلوبًا عندما دعا النّائب مطر إلى اجتماعٍ دوريّ لنواب طرابلس للبحث في ملفات المدينة ومعالجتها، ما كان سيُفضي إلى تضافر الجهود وتحسين الجودة الإنمائية”.

شارك المقال