في ما يتعلق بالسؤال حول إمكانية أن تضمن قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي أمن أوكرانيا، يبدو أن هذا الأمر معقد ويعتمد على العديد من العوامل السياسية والعسكرية.
منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) هي تحالف عسكري يضم مجموعة من الدول السوفيتية السابقة مثل روسيا، كازاخستان، قرغيزستان، بيلاروسيا، وطاجيكستان. هدفها الأساسي هو ضمان الأمن الجماعي للدول الأعضاء في حال تعرّضها لتهديدات خارجية.
ومن خلال المناورات العسكرية، تسعى روسيا إلى تعزيز تعاونها مع حلفائها في المنطقة، وإظهار استعدادها لدعمهم، خصوصاً في آسيا الوسطى، مثل طاجيكستان، في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها الإقليمي.
المناورات العسكرية
كما أُشير في النص، ستبدأ مناورات “الأخوة الراسخة 2025” في طاجيكستان، وهي جزء من الجهود الرامية إلى تطوير التعاون بين الدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي.
تشمل هذه المناورات تدريب القوات على سيناريوهات شبيهة بالعمليات القتالية في مناطق النزاع، ما يعزز جاهزيتها للعمل في مهام حفظ السلام ضمن مناطق الأزمات.
الأمن في أوكرانيا
من المنظور العسكري، فإن وجود قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي في أوكرانيا بعد انتهاء الصراع يبدو غير مرجح في المدى القريب.
أولاً، لا تُظهر روسيا وبقية أعضاء المنظمة رغبة حقيقية في خفض التصعيد في النزاع الأوكراني حتى الآن، رغم الحديث عن “خطط خاصة” لعمليات محددة.
ثانياً، دخول قوات حفظ السلام إلى أوكرانيا قد يؤدي إلى تصعيد جديد، خصوصاً مع الرفض الغربي القاطع لأي تدخل من هذا النوع.
إضافةً إلى ذلك، هناك تباين واضح في مواقف دول المنظمة؛ فبعضها مثل أرمينيا أبدى تردداً أو انسحب من الأنشطة العسكرية المشتركة، ما يعقّد فكرة التنسيق الجماعي في أزمات تقع خارج حدود الدول الأعضاء.
الاعتبارات السياسية والعسكرية
من الناحية السياسية، قد تكون مشاركة دول منظمة معاهدة الأمن الجماعي في عملية حفظ السلام بعد النزاع الأوكراني ممكنة فقط إذا تحقق توافق سياسي واسع.
وفي حال تنفيذ مثل هذه الخطة، فإن تأثير القوات الروسية والطاجيكية، على سبيل المثال، في أوكرانيا سيكون مشروطاً بمدى قبول هذا الحل من قِبل الأطراف الفاعلة في النزاع، ولا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وأوكرانيا نفسها.
1. هل تستطيع المنظمة استعادة دورها بعد تراجع بعض أعضائها؟
شهدت منظمة معاهدة الأمن الجماعي تراجعاً ملحوظاً في دورها الفعلي خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد اندلاع الحرب الأوكرانية وتوتر العلاقات بين روسيا وعدد من أعضائها.
فقد علّقت أرمينيا عضويتها بسبب خلافات مع موسكو، بينما أبدت دول مثل كازاخستان وقرغيزستان تردداً في دعم روسيا في نزاعها مع أوكرانيا.
هذا التراجع يُبرز هشاشة التحالف في ظل غياب رؤية أو توافق مشترك حول كيفية التعامل مع الأزمات الكبرى.
ومع ذلك، تحاول روسيا جاهدةً استعادة الدور القيادي للمنظمة، خصوصاً في أوقات الأزمات، من خلال مناورات مشتركة كـ”الأخوة الراسخة 2025″، لتعزيز التعاون بين الأعضاء المتبقين وفتح قنوات جديدة مع دول مثل طاجيكستان وبيلاروسيا.
لكن، في حال استمرار النزاع الأوكراني، سيكون من الصعب على المنظمة أن تستعيد تأثيرها السابق، بسبب الانقسام الداخلي وغياب التوافق بشأن الموقف من الحرب.
2. هل ستوافق أوكرانيا على مقترح روسي بعد الدمار الذي لحق بها؟
لم تكن أوكرانيا يوماً جزءاً من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ولا يُحتمل أن تنضم إليها في المستقبل القريب، خاصة بعد الحرب المدمّرة مع روسيا.
من منظور كييف، أي مقترح روسي يرتبط بالمنظمة يُعتبر تهديداً مباشراً للسيادة والاستقلال الوطني، وبالتالي من غير المرجح أن توافق على أي تعاون من هذا النوع.
كما أن أوكرانيا تواصل تعزيز دعمها الدولي من الغرب، وتعتبر نفسها في مواجهة مباشرة مع الهيمنة الروسية، وبالتالي فإن أي مبادرة سلام أو ترتيبات أمنية عبر منظمة تقودها موسكو ستُنظر إليها كوسيلة لإعادة فرض النفوذ الروسي بشكل غير مباشر.
3. هل سيوافق الاتحاد الأوروبي على المقترح الروسي؟
الاتحاد الأوروبي يتبع سياسة أمنية ودفاعية قائمة على التعاون مع الناتو والدول الغربية الديمقراطية. وهو يدعم أوكرانيا عبر مساعدات عسكرية واقتصادية مكثّفة لتمكينها من الدفاع عن نفسها ضد الغزو الروسي.
من غير الممكن حالياً أن يوافق الاتحاد الأوروبي على أي مقترح روسي يمرّ عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي، لأن روسيا تُعدّ في نظره تهديداً مباشراً للأمن الأوروبي.
لذلك، فإن أي مبادرة أمنية مستقبلية تخص أوكرانيا ستكون حصراً عبر الناتو أو من خلال اتفاقات ثنائية مع الاتحاد الأوروبي.
4. التحايل الروسي ومحاولة الالتفاف على المطالب الدولية
تحاول روسيا، عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي والتحالفات الثنائية، أن تخلق مظلّة أمنية موازية لمواجهة الضغوط الغربية والعقوبات، وتسعى إلى توسيع نفوذها في الفضاء السوفيتي السابق.
لكن هذه المساعي تواجه رفضاً واسعاً من الغرب وحتى من بعض دول آسيا الوسطى التي باتت تميل إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة أو الناتو لضمان أمنها على المدى البعيد.
من الواضح أن موسكو تسعى إلى تعويض العزلة الدولية من خلال بناء تحالفات إقليمية جديدة، لكنها تواجه صعوبات في كسب الدعم من القوى الكبرى أو حتى من بعض حلفائها التقليديين.
الخلاصة
في الوقت الراهن، لا توجد مؤشرات قوية على أن قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي قادرة على ضمان أمن أوكرانيا في المستقبل القريب.
فالأمر يعتمد على مسار الحرب وتحوّل المعادلات السياسية والعسكرية، لكن أي تدخل من هذا النوع قد يؤدي إلى تصعيد جديد بدلاً من التهدئة.
وبناءً على هذا التحليل، يبدو أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي، رغم محاولات روسيا لتعزيز دورها، فقدت جزءاً كبيراً من مصداقيتها بسبب التردد والاختلاف بين أعضائها.
أما أوكرانيا، فمن غير المرجّح أن توافق على أي مبادرة روسية تتعلق بالأمن عبر هذه المنظمة، في حين أن الاتحاد الأوروبي سيواصل رفضه لأي صيغة أمنية تشمل روسيا.
لذلك، يبقى الخيار الأكثر واقعية أمام أوكرانيا هو تعزيز تعاونها مع الغرب، ولا سيما مع حلف الناتو، لضمان أمنها الوطني ومصالحها الاستراتيجية.

