على الرغم من الحرب متعددة الجبهات التي تخوضها إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول 2023، وما ترتّب عليها من تكاليف اقتصادية باهظة وانعكاسات واضحة على مؤشرات الاقتصاد الأساسية، مثل ارتفاع الدين الخارجي والعجز المالي في الموازنة العامة، وتضرّر الصادرات، وتراجع الناتج في بعض القطاعات الاقتصادية، فإن هذه التطورات لم تنعكس بالحدّة المتوقعة على سعر صرف الشيكل أمام الدولار، ولم تُفضِ إلى انهيار العملة أو إلى تراجع حاد في أسواق الأسهم.
بل على العكس، شهد الشيكل خلال العامين الأخيرين ارتفاعًا ملحوظًا في قيمته مقابل الدولار، باستثناء الأشهر الأولى التي تلت أحداث السابع من أكتوبر. هذا الأداء يعكس متانة الاقتصاد الإسرائيلي واستقرار أسواقه، إلى جانب إدارة مالية ونقدية حذرة من قبل بنك إسرائيل.
ويُعزى ذلك، من ضمن أمور أخرى، إلى نجاح البنك المركزي في مضاعفة حجم احتياطي النقد الأجنبي خلال العقد الأخير، ليُشكّل بذلك أحد أهم دعائم الاستقرار المالي، ودرع الأمان الذي مكّن الاقتصاد الإسرائيلي من الصمود في مواجهة الصدمات العسكرية والسياسية والمالية.
ما هو احتياطي النقد الأجنبي؟
يُعدّ احتياطي النقد الأجنبي من الركائز الأساسية لاستقرار أي اقتصاد وطني، كما يُشكّل أحد أهم المؤشرات على قدرة الدولة على مواجهة الأزمات، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو ناتجة عن تقلبات الأسواق العالمية. ويُقصد به الرصيد الذي يحتفظ به البنك المركزي من العملات الأجنبية القوية، مثل الدولار الأميركي، اليورو، الجنيه الإسترليني، أو الين الياباني، بهدف دعم العملة المحلية وضمان استقرار النظام المالي.
يُستخدم احتياطي النقد الأجنبي كأداة استراتيجية لتأمين احتياجات الدولة من الواردات الأساسية في حالات الطوارئ أو الأزمات المفاجئة، مثل المحروقات والمواد الغذائية، بما يضمن استمرار النشاط الاقتصادي دون انقطاع. كما يُسهم هذا الاحتياطي في تعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب بمتانة الاقتصاد، ويُعدّ عنصرًا حاسمًا في قدرة البنك المركزي على التدخّل في سوق الصرف الأجنبي عند الحاجة، بهدف ضبط التقلبات المفرطة في أسعار العملات والحفاظ على استقرار سعر العملة الوطنية والتوازن المالي العام.
ويستطيع البنك المركزي، بحسب الحاجة، استخدام جزء من الاحتياطي لبيع عملات أجنبية من أجل منع تدهور سعر صرف العملة المحلية، أو لشراء عملات أجنبية للحد من ارتفاع مفرط في قيمتها، خاصة لتجنّب الإضرار بقطاعات التصدير التي تتأثر سلبًا بارتفاع العملة المحلية.
وكلما ارتفع حجم احتياطي النقد الأجنبي، ازدادت ثقة المستثمرين والمجتمع الدولي بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية والحفاظ على استقرارها النقدي، والعكس صحيح؛ إذ يُعدّ تراجع الاحتياطي مؤشّرًا على ضعف المناعة الاقتصادية واحتمال ارتفاع مستوى المخاطر في الأسواق المالية. كما يُنذر هذا التراجع بإمكانية حدوث أزمة في سعر الصرف، ويؤثر مباشرة في معدلات التضخم والاستثمار وثقة الأسواق، الأمر الذي قد يقود إلى تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكلفة القروض الحكومية والخاصة.
في حالات التراجع الاقتصادي أو الاضطرابات الجيوسياسية والأمنية، يُعدّ احتياطي النقد الأجنبي صمّام الأمان الذي يمنح الدولة المرونة المالية والاستقلالية في القرار الاقتصادي بعيدًا عن الضغوط الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية.
باختصار، يُعدّ احتياطي النقد الأجنبي درع الأمان المالي لأي اقتصاد، إذ يمنح الدولة القدرة على مواجهة الأزمات المالية والتقلبات المفاجئة وضمان استقرار العملة والأسعار. وفي الحالة الإسرائيلية، حيث تتكرّر الأزمات الأمنية والسياسية، تتضاعف أهمية الحفاظ على احتياطي كبير من العملات الأجنبية كشبكة أمان تمكّن الاقتصاد من الصمود أمام الصدمات. ومن ثمّ، لا يُعتبر احتياطي النقد الأجنبي مجرّد رقم في تقارير البنك المركزي، بل مؤشرًا يعكس قوة الاقتصاد ومتانة الثقة الدولية به وقدرته على الاستمرار في مواجهة الأزمات المحلية والعالمية.
كيف ساهم احتياطي النقد الأجنبي في حماية الاقتصاد الإسرائيلي بعد السابع من تشرين الأول؟
شهد احتياطي النقد الأجنبي لبنك إسرائيل ارتفاعًا كبيرًا خلال العقد والنصف الأخير، مما وفّر للاقتصاد الإسرائيلي شبكة أمان مالية في مواجهة الأزمات، وآخرها حرب السابع من تشرين الأول 2023. فقد ارتفع حجم الاحتياطي منذ عام 2010 إلى عام 2024 بأكثر من ثلاثة أضعاف، إذ بلغ نحو 71 مليار دولار في عام 2010، وارتفع إلى 90.6 مليار عام 2015، ثم إلى 173 مليار عام 2020 قبيل أزمة جائحة كورونا، ليقفز مجددًا إلى نحو 230 مليار دولار في أيلول 2025
شكّل التراكم الكبير في احتياطي النقد الأجنبي لدى بنك إسرائيل درع أمان حاسمًا خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. فقد مكّن هذا الاحتياطي البنك المركزي من التدخّل السريع والفعّال في سوق العملات الأجنبية، عبر بيع مليارات الدولارات للحدّ من تدهور سعر الشيكل والحفاظ على استقرار النظام المالي. هذا التدخّل الاستثنائي ساهم في منع انهيار العملة المحلية وفي تجنّب أزمة نقدية حادّة شبيهة بتلك التي شهدتها دول أخرى في فترات الحروب أو الاضطرابات الأمنية الطويلة.
ساعد حجم الاحتياطي الكبير أيضًا في طمأنة الأسواق والمستثمرين الأجانب، والحفاظ على التصنيف الائتماني لإسرائيل، وتعزيز ثقة المجتمع الدولي بقدرة الاقتصاد الإسرائيلي على الصمود، رغم التكاليف الاقتصادية الباهظة وتراجع بعض مؤشرات النمو الاقتصادي.
ففي الأيام الأولى عقب هجوم حركة “حماس”، تراجع سعر صرف الشيكل أمام الدولار بشكل حاد متجاوزًا 4.1 شيكل للدولار الواحد خلال أقل من عشرة أيام، نتيجة موجة من الهلع والمضاربات الواسعة في الأسواق. ردًّا على ذلك، أعلن بنك إسرائيل عن خطة طارئة لبيع نحو 30 مليار دولار من احتياطي النقد الأجنبي – أي ما يقارب 15% من مجمل الاحتياطي – بهدف استقرار سعر الصرف وتهدئة الأسواق. وأكّد البنك أنه سيتدخل كلما دعت الحاجة للحفاظ على التوازن النقدي ومنع فقدان السيطرة على الأسعار.
ويجمع محللون اقتصاديون على أن وجود هذا الاحتياطي الكبير هو ما مكّن البنك من لعب دور مركزي في استقرار الأسواق، وأن غيابه كان سيؤدي إلى تدهور أوسع في الأسعار والنشاط الاقتصادي.
ومع نهاية عام 2023، وبعد استقرار الأسواق، توقّف بنك إسرائيل عن التدخل المباشر في سوق العملات، مكتفيًا بمتابعة التطورات وترك تحديد الأسعار لقوى العرض والطلب.
إدارة احتياطي النقد الأجنبي في بنك إسرائيل
يتولّى بنك إسرائيل مسؤولية إدارة احتياطي النقد الأجنبي وفقًا لما يحدّده القانون، بحيث لا تُكتفى عملية الحفظ بل يتم استثمار هذه الأموال الضخمة في الأسواق المالية العالمية ضمن سياسة استثمارية حذرة ومتنوّعة تهدف إلى تحقيق عائد مستقر مع الحفاظ على مستوى أمان مرتفع.
يقوم البنك بتوزيع محفظة الاستثمار على عدة أدوات مالية على النحو التالي: 64% من الاحتياطي يُستثمر في سندات دين حكومية محلية وأجنبية؛ 14% في أصول مالية مدرّة للربح؛ 7% في سندات دين صادرة عن شركات خاصة؛ و15% في أسواق الأسهم العالمية.
يسمح هذا التوزيع المتوازن بتحقيق أرباح دون تعريض الاحتياطي لمخاطر مفرطة. ففي عام 2024 بلغت عائدات محفظة الاستثمار نحو 6.7%، وهي نسبة مرتفعة نسبيًا في سياق عالمي مضطرب. كما ارتفعت حصة الاستثمار في الأسهم العالمية إلى نحو 23% من إجمالي المحفظة خلال العام نفسه، ما يعكس تحوّلًا تدريجيًا نحو إدارة أكثر مرونة تهدف إلى تعظيم العائدات المالية مع الحفاظ على السيولة والجاهزية للتدخّل في الأزمات.


