مسألة الجيش ومهمّاته قضية قديمة متجدّدة. فمنذ عصر الانقلابات العسكرية في منطقتنا وحتى تاريخه، ما زلنا نختلف ونبحث، ولا يمكن أن نتّفق مع كلّ الذين يرون أن مهمة الجيش هي الحفاظ على النظام، أي الحكّام، وليس على السيادة والدستور!
من القرن الماضي إلى القرن الواحد والعشرين، أو العشرين، ليس مهمًّا، فنحن في الدوامة نفسها. ولكن ما ظهر وما بان وما أُعلن في بيان وزير الدفاع وما تلاه، في بلد يصف نفسه بـ”الجمهورية الديمقراطية”، يجعلنا نقف متأمّلين من منطلق “الصفنة” لا “الأمل”: هل ما سمعناه كان حقيقة أم لقطة لـ”الكاميرا الخفية” لرصد ردّات فعل المواطنين الذين اعتقدوا أنهم في دولة ديمقراطية؟
هلمّ إلى الموضوع… قرّر البيان الصادر عن وزير الدفاع أن مهمة الجيش هي: “درء الفتنة، ومنع انزلاق الوضع إلى مهاوي التصادم، وردع المتطاولين على السلم الأهلي، وترسيخ دعائم الوحدة الوطنية”.
يا سلام عليك يا زياد الرحباني حين رأيت كيف طايفة هالطوايف على بعضها ترسيخًا للوحدة الوطنية!!
وأكمل البيان معترضًا على “نكران الجميل” و”التحامل” و”إلقاء تبعات الشارع على حماة الشرعية”، أي الجيش، على ما فهمت، “شو فهمنا”، (هاي ما خصها بالبيان، هاي من مسرحية “نزل السرور”)…
أكّد البيان أن للجيش “رئيسًا يرعاه، وقائدًا يسهر عليه، وشعبًا يحبّه ويرى فيه الأمل الباقي بعد الله ولبنان”.
“الأمل الباقي” عنوان مطروح بالمزاد كعنوان لمسلسل تركي جديد، علّه يُباع بسعر عالٍ للمساعدة في التبرّع لجمعية “رسالات” التي عُلِّق العمل بها، فيها، (مش مهم)…
لنُغلق “الكاميرا الخفية” ونعود إلى الواقع المؤلم يا معالي الوزير… صعب أن تجد حشوًا فيه كل هذا الهراء في أيّ مقطع مكتوب…
يا معالي الوزير، من قال إن الشعب يرى في الجيش الأمل الوحيد بعد الله ولبنان، قبل أن يُرى للجيش دورٌ يختلف عمّا عرفه اللبنانيون لسنين وسنين!!
هذا الشعب الذي يتحدث عنه البيان، أو القسم الأكبر منه، يذكر، وكيف ينسى، توقيع قائد الجيش إميل البستاني على اتفاق القاهرة عام 1969، ذاك الاتفاق الذي بموجبه ضُرِب السلم الأهلي في عمقه وانزلق البلد إلى الفتنة.
ولم نجد الجيش يحافظ على الشرعية، ولم يُرسّخ الوحدة الوطنية.
الجيش الذي هو “بعد الله” بحسب بيان وزير الدفاع، انخرط انخراطًا كليًا في الحرب الأهلية بعد أن انقسم على نفسه وتحول إلى قوة ضاربة تقودها أحزاب الحرب الأهلية في المنطقتين (تنذكر وما تنعاد).
هل يذكر وزير الدفاع، وهو ضابط سابق، كيف انخرط الجيش في حرب الإلغاء كرامة الحفاظ على كرسي بعبدا للحاكم العسكري في حينه، الجنرال ميشال عون، الذي أصبح “الحاكم بأمر الله” لاحقًا، وعلى نفس الكرسي في بعبدا (تنذكر وما تنعاد)؟
بمناسبة حفظ الجميل، وقّع إميل البستاني اتفاقية القاهرة طمعًا في الوصول إلى رئاسة الجمهورية، وفي حرب الإلغاء الكلّ يعلم ما كانت أهداف القائد “كيم إيل عون”، ودائمًا بالإذن من الدكتور عارف العبد…
ننتقل من الثمانينات إلى حقبة التسعينات، حيث عملت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني كجزء من المخابرات السورية الحاكمة للبنان وسوريا في حينه.
وبعدها بوقت ليس طويلًا، عملت المؤسسة العسكرية لسنوات وسنوات على خدمة السيطرة الميليشياوية لحزب الله على البلاد والعباد!! (تنذكر وما تنعاد – 7 أيّار).
يا معالي الوزير، نحن مع الجيش، وهو الأمل الباقي في حال كان دوره الحفاظ على السيادة والدستور، لأن في الدول الديمقراطية لا مهمّات سياسية للجيش.
مهمّته حصرًا تطبيق وتنفيذ أوامر السلطة التنفيذية، أي الحكومة، التي عليها العمل على منع الانزلاق إلى مهاوي التصادم، وردع المتطاولين على السلم الأهلي، وترسيخ دعائم الوحدة الوطنية، وذلك من دون أيّ جميل، لأنّه عملها.
وإلّا، فهي المتّهمة بإلقاء تبعات الشارع على حماة الشرعية، أي نواب الأمة…
انتهى البيان.


