تُعدّ المملكة العربية السعودية من القوى الإقليمية البارزة في الشرق الأوسط، وهي تلعب دورًا محوريًا في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتحقيق السلام في منطقةٍ تشهد تقلبات وصراعات مستمرة. وقد أصبح هذا الدور أكثر وضوحًا من خلال قمة شرم الشيخ للسلام التي انعقدت في مصر بمشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الاميركي جو بايدن، إضافةً إلى وفدٍ سعودي رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان.
في هذه القمة، قدّمت المملكة رؤيتها الفاعلة والمبنية على حلولٍ سلمية للمشكلات العميقة التي تواجه المنطقة، ولا سيما القضية الفلسطينية.
تُعدّ هذه القمة نقطةً محورية في سياق التوترات الإقليمية المستمرة، حيث برزت السعودية كداعمٍ رئيسي لعملية السلام، بما يعكس موقفها الثابت في التعامل مع القضايا الكبرى في المنطقة عبر الدبلوماسية الفاعلة والعمل المستمر مع الأطراف الدولية لتحقيق الاستقرار.
ولا يقتصر دور المملكة في قمة شرم الشيخ على مشاركتها السياسية الفاعلة، بل يمتدّ ليشمل توجيه رسائل واضحة بشأن الحلول العادلة التي يجب أن يتبنّاها المجتمع الدولي حيال الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وسائر القضايا الإقليمية المعقدة.
أبرز أدوار السعودية في المؤتمر
1- الدعوة إلى وقف إطلاق النار:
في ظل التصعيد الأخير في غزة، كانت المملكة من أوائل الدول التي طالبت بوقف إطلاق النار، مؤكدةً ضرورة حماية المدنيين وضمان احترام حقوق الإنسان. وشدّدت على أهمية تبنّي مواقف تدعم وقف العنف فورًا تجنّبًا للمزيد من الخسائر البشرية والفوضى.
2- تعزيز الجهود الإقليمية والدولية للسلام:
أعادت السعودية التأكيد على أهمية تكثيف الجهود الدولية لإنهاء الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، مشيرةً إلى ضرورة استئناف محادثات السلام استنادًا إلى المبادرة العربية للسلام التي طرحتها عام 2002.
وتقوم المبادرة على مبدأ حلّ الدولتين، بوصفه السبيل الأكثر عدالة لتحقيق السلام، حيث يُعترف بإسرائيل في مقابل انسحابها من الأراضي الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
3- دعم القضية الفلسطينية:
في قمة شرم الشيخ، جدّدت المملكة موقفها الثابت في دعم القضية الفلسطينية، داعيةً إلى إقامة دولةٍ فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، في إطار حلٍّ شاملٍ وعادل يضمن حقوق الفلسطينيين استنادًا إلى المبادئ والقرارات الدولية. ويؤكد هذا الموقف أن الاستقرار في المنطقة يبدأ من تحقيق السلام في فلسطين.
4- تعزيز الاستقرار الإقليمي:
لم تقتصر جهود المملكة على القضية الفلسطينية فحسب، بل سعت أيضًا إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي بشكل عام.
ومن خلال تحركاتٍ دبلوماسية ومراجعةٍ لاستراتيجياتها الإقليمية، عملت السعودية على تقليل التوترات ومحاولة إيجاد حلولٍ للصراعات المستمرة في سوريا ولبنان واليمن، ما يعكس التزامها باستقرار المنطقة ككلّ.
5- التعاون مع الأطراف الأخرى:
يُعدّ التعاون الدولي عنصرًا أساسيًا في الدور السعودي داخل القمة. فقد عملت المملكة عن كثب مع مصر والولايات المتحدة ودولٍ أخرى لتعزيز الاستقرار في المنطقة على المدى الطويل. وساهم هذا التعاون في طرح حلولٍ عملية للأزمات المستمرة، مع التركيز على التوصّل إلى تسوياتٍ شاملة ومستدامة.
المشروع العربي بقيادة السعودية: رؤية شاملة للسلام
دأبت المملكة على تبنّي المبادرة العربية للسلام التي طرحتها عام 2002، والتي تقوم على مبدأ حلّ الدولتين.
وتؤمن السعودية بأن السلام في المنطقة لن يتحقق إلا عبر التعاون الدولي والاعتراف المتبادل بين إسرائيل والدولة الفلسطينية.
وقد جعل هذا الموقف من المملكة لاعبًا محوريًا في مسار السلام، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل على مستوى العالم العربي بأسره.
كما لم تتوانَ المملكة عن استخدام أدواتها الدبلوماسية الفاعلة للضغط على الأطراف الدولية المعنية بالسلام في الشرق الأوسط من أجل الالتزام بمبادئ المبادرة العربية، مؤكدةً في الوقت نفسه أن القضية الفلسطينية يجب أن تبقى في صدارة أي مفاوضات إقليمية أو دولية.
الاستعادة التدريجية للقدرة على التأثير: تقليص النفوذ الإيراني في غزة
من خلال التنسيق الوثيق مع مصر والأردن، نجحت المملكة في تقليص النفوذ الإيراني في قطاع غزة، الذي كانت حركة “حماس” خاضعةً لتأثيره لسنواتٍ طويلة.
فقد لعبت إيران دورًا بارزًا في دعم “حماس”، ما جعل غزة جزءًا من المشروع الإيراني في المنطقة.
ومع تزايد التنسيق العربي بقيادة السعودية، بدأت دولٌ مثل مصر والأردن بالعمل على استعادة غزة إلى الصفّ العربي، بعيدًا عن التأثير الإيراني.
وتُعدّ هذه الخطوة جزءًا من استراتيجيةٍ أوسع تهدف إلى تحجيم النفوذ الإيراني في المناطق الحيوية بالمنطقة، ما يعكس الدور الفاعل للمملكة في دعم الاستقرار العربي.
التعاون الدولي: الدور السعودي في سوريا ولبنا
تسعى المملكة إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في سوريا ولبنان.
ففي سوريا، وجّهت جهودها نحو دعم العملية السياسية وإيجاد حلولٍ دبلوماسية من شأنها تقليص النفوذ الإيراني هناك. كما نسّقت مع روسيا ودولٍ أخرى للتوصل إلى تسويةٍ سياسية تضمن استقرار سوريا بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
أما في لبنان، فتعمل المملكة على تحجيم نفوذ حزب الله المدعوم من إيران، الذي يمتلك تأثيرًا كبيرًا على الحياة السياسية اللبنانية.
ومن خلال التعاون مع الولايات المتحدة ودولٍ غربية أخرى، تسعى السعودية إلى استعادة السيادة اللبنانية وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها.
السعودية كقوة وساطة في المنطقة
إنّ دور المملكة في قمة شرم الشيخ للسلام يعكس قدرتها على الوساطة وإيجاد حلولٍ شاملةٍ للأزمات الإقليمية.
فالسعودية ليست مجرد فاعلٍ رئيسي في الدبلوماسية الإقليمية، بل هي أيضًا قوة وساطة تنسّق جهودها مع الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا.
وقد جعلتها هذه الوساطة شريكًا أساسيًا في أي مسارٍ للسلام في الشرق الأوسط.
إنّ دور المملكة في هذه القمة يسلّط الضوء على أنها لم تكتفِ بدور الداعم للسلام في القضية الفلسطينية، بل تسعى بجدّية إلى تحقيق استقرارٍ إقليمي شامل، يجعلها محطَّ أنظار العالم بأسره.


