إدلب تختبر صلابة الشرع في سوريا

نزار عثمان السمندل

تنام إدلب على قلقٍ قديم، وتصحو على وجوهٍ لم تغادر الحرب بعد.

مدينة تشبه الذاكرة وهي تحاول أن تنسى، تتأرجح بين راياتٍ سقطت وأخرى تحاول أن تولد من رمادها. هناك، اندلع الاشتباك الأخير بين “فرقة الغرباء” والسلطات السورية الجديدة، لا كمعركةٍ على الأرض فحسب، بل كصراعٍ على هوية سوريا نفسها: أيُّ دولة تريد أن تكون، وأيُّ ماضٍ تريد أن تطوي صفحته؟

الاتفاق الذي أنهى المواجهة لم يحمل رائحة النصر، بل طعم الإنهاك. الدولة لم تفرض إرادتها، والجهاديون لم ينتصروا، ومع ذلك خرج كل طرفٍ وهو يحمل أوهام البقاء.

وساطة الحزب الإسلامي التركستاني كانت كجسرٍ على نهرٍ من الشكوك: وقفٌ لإطلاق النار، سحبٌ للأسلحة الثقيلة، وإحالة قضية “الفتاة المخطوفة” إلى قضاءٍ شرعي بدا هو الآخر حائراً بين نصّ العقيدة ومنطق الدولة.

وراء القضية، ظلّ يتمظهر وجهٌ آخر للأزمة. فرنسا تراقب من بعيد أبناءها الضالين، وتضغط في الخفاء لاستعادتهم. ودمشق، التي تحاول؛ قدر ما تستطيع، لبس ثوب الاعتدال الجديد، تخشى أن تُتّهم بأنها تحارب المقاتلين الأجانب لا لأنها تطبق القانون، بل لأنها تريد محوهم من المشهد.

في المخيم، يعيش عشرات المقاتلين الفرنسيين مع عائلاتهم، غرباء يبحثون عن وطنٍ في أرضٍ لم تعد تعرف معنى الوطن. قائدهم عمر ديابي، القادم من شوارع نيس، كان يوماً نادلاً يحمل الصحون، قبل أن يتحول إلى أميرٍ تنهض على كتفه البنادق. قصته تشبه حكاية جيلٍ ضائعٍ بين الحلم والهاوية، بين اللهب الذي أشعل العالم، والرماد الذي لا يجد من يطفئه.

الرئيس الانتقالي أحمد الشرع يدرك أن المعركة معه ليست ككل المعارك. لا يستطيع أن يطردهم فيخسر صورة الدولة، ولا أن يحتضنهم فيخسر نفسه. لذلك يكتفي بالتصريحات التي تشبه المسكّنات: “سوريا اليوم دولة قانون”. لكنها جملة قصيرة لا تكفي لتغطية جرحٍ مفتوح منذ أزمان.

ما يجري في إدلب ليس نزاعاً عسكرياً، بل امتحانٌ لروح بلدٍ يحاول أن ينهض من تحت الركام. فكل رصاصةٍ تُطلق هناك تصيب فكرة الدولة قبل أن تصيب جسداً. وسوريا، التي تحاول أن تكتب دستورها الجديد بالحبر لا بالدم، تعرف أن الطريق إلى القانون يمر أولاً من تحت ظلال البنادق.

في النهاية، تبقى إدلب مثل قصيدةٍ لم تكتمل: نصفها صلاة، ونصفها اعتراف. مدينةٌ تتنفس على إيقاع الخوف، ودولةٌ تبحث عن معنى السيادة بين أشباح الأمس وصمت الغد.

شارك المقال