رفض أوروبي للمشاركة في قوات غزة ومصر تقود قوة الاستقرار

خالد العزي

في تطور بارز على الساحة الدولية، أفادت صحيفة الغارديان البريطانية في 18 تشرين الأول الجاري، أن مصر ستكون على الأرجح القوة الرائدة في قيادة قوة الاستقرار الدولية المزمع نشرها في قطاع غزة، وفقًا لخطة السلام التي اعتمدها مجلس الأمن الدولي. ووصفت الصحيفة هذه الخطوة بأنها تمثل تحولًا كبيرًا في استراتيجيات الأمن الإقليمي والدولي.

ورغم دعم القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، للمبادرة، إلا أن الدول الأوروبية بشكل عام تبدو غير متحمسة للمشاركة المباشرة في هذا الجهد. وفي حين أن هناك تأكيدات على تقديم الدعم اللوجستي والمالي، تبقى الأسئلة مفتوحة حول مستوى التورط العسكري الأوروبي في هذا السياق، في ظل الانقسامات الداخلية والمواقف المتباينة بين الدول الغربية.

قوة الاستقرار الدولية: الدور المصري في غزة

بحسب الخبراء والمراقبين السياسيين، يُتوقع أن تتولى مصر قيادة قوة الاستقرار الدولية المزمع نشرها في قطاع غزة. وتُعد مصر واحدة من القوى الإقليمية المحورية في الشرق الأوسط، ولديها خبرة واسعة في إدارة الأزمات الأمنية والسياسية في المنطقة. علاوة على ذلك، تتمتع مصر بنفوذ سياسي كبير في غزة، خاصة من خلال علاقتها الوثيقة بحركة “حماس” التي تسيطر على القطاع، ما يجعلها الأكثر قدرة على ضمان الاستقرار وتنفيذ الاتفاقيات الدولية.

من الجدير بالذكر أن مصر لعبت دورًا أساسيًا في الوساطات السابقة بين الأطراف المتنازعة في غزة، ما يعزز مكانتها كداعم رئيسي للسلام في المنطقة. وعليه، فإن قرار تعيينها لقيادة هذه القوة يُعتبر إشارة قوية إلى الثقة الدولية الكبيرة في قدرتها على معالجة الأزمة الفلسطينية.

تدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المبادرة المصرية بشكل عام، خصوصًا فيما يتعلق بتفعيل قوة الاستقرار الدولية في غزة. ورغم دعم القوى الكبرى للمبادرة، إلا أن كلاً من الولايات المتحدة وأوروبا لا يخططان للمشاركة المباشرة في نشر القوات، ويعود ذلك جزئيًا إلى حسابات أمنية وسياسية معقدة في المنطقة، حيث تُفضل الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية البقاء على مسافة من التورط المباشر في النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي.

المرشحون الآخرون: تركيا وأذربيجان وإندونيسيا

بالإضافة إلى مصر، تم ذكر تركيا وأذربيجان وإندونيسيا كمرشحين محتملين للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية. وتتمتع هذه الدول بعلاقات تاريخية وثقافية مع العالمين العربي والإسلامي، ما يجعلها مرشحة طبيعية للانضمام إلى القوة. كما أن دعم هذه الدول للحقوق الفلسطينية والتزامها بالقضية يعزز من فرص مشاركتها في جهود السلام.

لكن، رغم ترشيح هذه الدول، فإن الدول الأوروبية الكبرى، مثل بريطانيا وفرنسا، من غير المتوقع أن تشارك بشكل مباشر في هذه المبادرة. وهذا يشير إلى تراجع أوروبي في المشاركة العسكرية المباشرة في المنطقة، ويعكس مشاعر الحذر والتردد التي تسود حاليًا بين العديد من القوى الغربية بشأن الانخراط في نزاعات الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، يحاول نتنياهو الإصرار على تحديد نوع القوات الدولية المسموح لها بالمشاركة في حفظ الأمن في غزة، معترضًا على التواجد التركي باعتباره غير مرغوب فيه، فيما تصر إدارة ترامب على إشراك تركيا في قوات حفظ السلام نظرًا لعلاقتها الجيدة مع أطراف الصراع والولايات المتحدة.

مواقف أوروبا والولايات المتحدة: التردد في المشاركة

يبدو أن العديد من الدول الأوروبية، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا، تتجنب المشاركة في هذه القوة الدولية بسبب عدة عوامل. فمن جهة، تعارض بعض الدول الأوروبية التورط العسكري المباشر في نزاعات الشرق الأوسط بعد سنوات من التدخلات في العراق وأفغانستان. ومن جهة أخرى، هناك تخوف من تصعيد العنف في المنطقة، لا سيما أن المشاركة المباشرة قد تُفجّر توترات جديدة مع إسرائيل وحلفائها.

كما تتجنب الولايات المتحدة الدخول في التزامات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، في ظل انشغالها بملفات أمنية وسياسية أخرى، مثل التنافس مع الصين وروسيا. فبينما تدعم المبادرة وتوفر التمويل والدعم اللوجستي، تفضل واشنطن أن تُترك الأمور الأمنية الإقليمية للقوى المحلية مثل مصر وتركيا.

هل يمكن أن يؤدي التردد الأوروبي إلى تغيير في الوضع الأمني في غزة؟

ختامًا، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الوجود الدولي في غزة سيظل محكومًا بالتركيز على القوة المصرية التي ستقود جهود الاستقرار، بدعم من دول غير غربية مثل تركيا وإندونيسيا. في الوقت نفسه، يُظهر تراجع الدول الأوروبية عن المشاركة العسكرية المباشرة حالة من التردد والقلق إزاء التورط في صراع معقد كالنزاع الفلسطيني–الإسرائيلي

يبقى أن ننتظر لنرى كيف ستؤثر هذه المبادرة على الوضع الأمني في غزة. فهل ستكون مصر قادرة على تحقيق الاستقرار في المنطقة؟ وهل ستتمكن الدول غير الأوروبية من لعب دور فعّال في تحقيق السلام؟ أم أن تراجع المشاركة الأوروبية سيؤدي إلى استمرار الأزمة مع غياب الحلول الفعالة؟

ما يزال المشهد ضبابيًا، لكن من المؤكد أن وجود قوة استقرار دولية في غزة، بقيادة مصر، سيكون نقطة تحول حاسمة في سياسة الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

شارك المقال