دور مصر في الملفين الفلسطيني واللبناني والتحركات الدبلوماسية الأخيرة

خالد العزي

بالنسبة إلى دور مصر في الملف اللبناني والتحركات الدبلوماسية الأخيرة، نرى بوضوح التحرك المصري الكثيف باتجاه لبنان، وحملها لواء السلام والتهدئة، وهو ما انبثق من قمة شرم الشيخ برعاية مصرية وأميركية واحتضان عربي وسعودي، لفتح باب التهدئة والسلام في المنطقة العربية، ولا سيما في غزة ولبنان. لذلك، نلاحظ جولات مصرية مكوكية لدى المسؤولين اللبنانيين، سواء عبر السفير المصري أو من خلال الموفد الأمني المنتظر وصوله إلى بيروت، نتيجة استشعار الجانب المصري خطرًا قادمًا يحدق بلبنان.

التحرك المصري المكثّف في لبنان

في الأيام الماضية، قام السفير المصري في لبنان، علاء موسى، بزيارة إلى قصر بعبدا والسراي الحكومي، وذلك في سياق التهيئة للزيارة المرتقبة للجنرال المصري، التي تأتي في إطار التنسيق السياسي والأمني بين البلدين.

هذه الجولة تُظهر اهتمام مصر البالغ بما يخبّئه الموقف الإقليمي، خصوصًا في ظل التطرف الإسرائيلي تجاه لبنان. وتشعر القاهرة بقلقٍ متزايد حيال ما قد يترتب على التصعيد الإسرائيلي من تداعيات على لبنان، لذلك تسعى إلى دعم الاستقرار فيه عبر تأكيد دعمها لرئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية.

ومن أولويات مصر في هذه المرحلة التأكيد على ضرورة حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بما يعكس دعمها لسيادة لبنان واستقلاله.

كما تعمل القاهرة على الدفع باتجاه إيجاد مقاربة لحل النزاع مع إسرائيل، وتسعى لتسويق الطرح اللبناني القائل إن لبنان مستعد للدخول في مفاوضات أمنية مع العدو الإسرائيلي، وهو ما يعكس رغبة بيروت في حماية أمنها واستقرارها. وتحاول مصر، بما تملكه من نفوذ، تسهيل هذا التوجه وترسيخ الأمن في المنطقة.

الدور المصري كوسيط بين الأطراف

تتمتع مصر بدور قوي وفاعل في الملف اللبناني، وقد تجسّد هذا الدور بوضوح منذ مشاركتها في اللجنة الخماسية المعنية بلبنان.

فقد دعمت القاهرة لبنان باستمرار، سواء عبر دعم الجيش اللبناني أو من خلال تأكيد التزامها بأمن واستقرار الجمهورية اللبنانية. كما لعبت دورًا مهمًا في احتضان لبنان خلال حرب الإسناد التي فتحها “حزب الله”، إذ سعت دائمًا إلى دفع لبنان وإسرائيل نحو التهدئة، بهدف عدم ربط لبنان بجبهة غزة والحفاظ على استقراره الداخلي.

وكانت هناك قنوات اتصال مستمرة بين مصر من جهة، وإسرائيل و”حزب الله” من جهة أخرى، ما منحها دور الوسيط الفعّال في تبادل الرسائل الأمنية والتأثير في مجريات الأوضاع.

وفي هذا السياق، تترقب الأنظار زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد إلى لبنان، بعد لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 21 تشرين الأول الجاري في تل أبيب.

ويُطرح تساؤل حول ما قد يحمله اللواء رشاد من رسائل أمنية إلى لبنان، وربما أيضًا تهديدات شفهية تم التوافق عليها خلال اللقاء. وتشير التقديرات إلى أن مصر قد تُبلغ لبنان بوجود عمل أمني واسع النطاق قادم، وهو ما قد تعكسه الممارسات الميدانية الإسرائيلية ضد لبنان، وخصوصًا في المناطق الجنوبية.

ويتزامن ذلك مع زيارة المبعوثة الأميركية التي وصلت إلى بيروت في 27 تشرين الأول، بعد لقائها مسؤولين في تل أبيب، حيث رافقها وزير الدفاع الإسرائيلي في جولة على الحدود اللبنانية. وفي الوقت نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي أن الفرقة 91 أنهت تدريباتها وبدأت تموضعها الجديد على الحدود، ما يعكس تصاعد التوترات في المنطقة.

التحركات المصرية في الملف الفلسطيني

أما على الجانب الفلسطيني، فيُتوقّع أن تتولى مصر قيادة قوة الاستقرار الدولية المزمع نشرها في قطاع غزة.

تُعد القاهرة واحدة من القوى الإقليمية المحورية في الشرق الأوسط، ولديها خبرة واسعة في إدارة الأزمات الأمنية والسياسية. كما تتمتع بنفوذ سياسي كبير في غزة، بفضل علاقتها الوثيقة مع حركة حماس التي تسيطر على القطاع، ما يجعلها الأكثر قدرة على ضمان الاستقرار وتنفيذ الاتفاقيات الدولية.

وقد لعبت مصر دورًا أساسيًا في الوساطات السابقة بين الأطراف المتنازعة في غزة، ما يعزز مكانتها كداعم رئيسي للسلام في المنطقة. وعليه، فإن قرار تعيينها لقيادة هذه القوة يُعد إشارة قوية إلى الثقة الدولية الكبيرة بقدرتها على معالجة الأزمة الفلسطينية.

حتى إسرائيل تدرك تمامًا قدرة مصر على إدارة الوساطات وضبط الأمن، وربما يشكل ذلك مؤشرًا إلى الانصياع الإسرائيلي لتطبيق اتفاق الهدنة في غزة، ما سمح للقوات المصرية بالدخول وتولي عملية البحث عن رفات الجنود الإسرائيليين، في ظل تجنّب الجيش الإسرائيلي التوغل خشية وقوع اشتباكات مع حركة حماس قد تعرقل الاتفاق

وفي المقابل، تدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي المبادرة المصرية بشكل عام، خصوصًا في ما يتعلق بتفعيل قوة الاستقرار الدولية في غزة.

ورغم دعم القوى الكبرى لهذه المبادرة، فإن كلاً من واشنطن والدول الأوروبية لا تخطط للمشاركة المباشرة في نشر القوات، نظرًا إلى الحسابات الأمنية والسياسية المعقدة في المنطقة، حيث تفضّل تلك الدول البقاء على مسافة من التورط المباشر في النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي.

التنسيق المصري–السعودي وأهمية الدور الإقليمي

يتكامل الدور المصري في المنطقة مع الدور السعودي بشكل كبير في دعم الأمن والاستقرار في كل من غزة ولبنان.

فالتعاون بين البلدين يعزّز فرص تحقيق السلام، إذ تسعى القاهرة والرياض إلى العمل معًا على ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي، من خلال التنسيق عبر قنوات دبلوماسية وأمنية متعددة، لضمان عدم تأثر لبنان وغزة بمزيد من التصعيد.

تواصل مصر أداء دور العمود الفقري للأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، من خلال مشاركتها في القمة المصرية–الأميركية، ومساهمتها في رسم الاستراتيجيات الإقليمية. هذه الجهود تعزز حضورها القيادي في الأحداث الإقليمية، وتعمل جنبًا إلى جنب مع السعودية لتحقيق السلام في المنطقة.

خاتمة

في المحصلة، يبقى الدور المصري في الملفين الفلسطيني واللبناني من أهم الأدوار المحورية في ضمان استقرار المنطقة العربية.

ومن خلال تحركاتها الدبلوماسية والأمنية المستمرة، تُثبت مصر مكانتها كقوة إقليمية قادرة على التعامل مع الأزمات المعقدة والتأثير في نتائجها.

هذا الدور يتناغم مع الدور السعودي الحاضن لمبادرات السلام في المنطقة، ويعكس التزام مصر الثابت بتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، لتظل ركيزة أساسية في بناء السلام الإقليمي.

شارك المقال