الشرع… خصم شخصي لـ”أم الدنيا”

نزار عثمان السمندل

أحمد الشرع لم يكن يقصد إشعال نارٍ جديدة في المشرق المرهق بالحرائق، لكنّ كلماته التي أطلقها من منصّة مؤتمر “مبادرة مستقبل الاستثمار 2025” في الرياض، سقطت على عصبٍ عارٍ. قال ما رآه توصيفاً اقتصادياً عادياً، فإذا به يتحوّل إلى خصمٍ رمزيٍّ في معركة الكرامة الوطنية. في العالم العربي، الجملة البسيطة يمكن أن تُستقبل كقنبلة.

في لحظةٍ واحدة، اقتُطع كلامه من سياقه، وانتُزعت منه روح المقارنة لتُزرع فيه تهمة الإهانة. قال الشرع إنّ “مصر والعراق دولتان ناجحتان، لكنهما تعملان بجهدٍ أقل وسرعةٍ أبطأ مقارنةً بالسعودية وقطر والإمارات وتركيا”، لكن إعلاميين مصريين التقطوا الشطر الأول فقط: “مع احترامي لباقي الدول مثل مصر والعراق”. وهكذا، تحوّلت المقارنة إلى ازدراء، وتحولت المنصّات إلى ساحة استنفارٍ قوميٍّ غاضب.

في مصر، لا يُنظر إلى الاسم بقدر ما يُنظر إلى النغمة. فكل ما يمسّ صورة “مصر العظيمة” يُعامَل كاعتداءٍ على الذاكرة الجمعية، وكل محاولةٍ لقياسها بغيرها تُقرأ كجريمةٍ رمزية. تصدّر وسم (أحمد الشرع) الترند، وتحوّل النقاش من نقدٍ سياسي إلى مهرجان شتائم. لم يعد الرجل رئيساً مؤقتاً لدولةٍ مدمّرة، بل خصماً شخصياً لبلدٍ يرى نفسه “أمّ الدنيا”.

الإعلامي أحمد موسى كان في مقدّمة الهجوم، إذ كتب على “إكس” إنّ الشرع “لم يدرك بعد حجم التطوّر الذي تعيشه مصر”، ثم استدعى شهادةً من وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان قبل أعوام، حين وصف النهضة المصرية بأنها “ملهمة ومذهلة”، في محاولةٍ لتذكير الشرع بأنّ القاهرة لا تُقارن، بل يُستشهد بها. وختم موسى عباراته بحدّة: “تحتاج سوريا إلى ثلاثين عاماً كي تُنجز ربع ما تحقق في مصر… عاشت بلادي العظيمة”.

خلف هذا الغضب المعلن، قراءةٌ أعمق تتصل بوظيفة الإعلام نفسه في بلدٍ يعيش على إيقاع الدفاع المستمر عن الذات. فكل هجومٍ خارجي أو شبهة تقليلٍ تُستخدم لإعادة شدّ الجمهور حول الدولة، وإحياء خطاب الكبرياء الوطني. الإعلام الموالي يعرف جيداً أن “الهيبة” سلعةٌ جماهيرية، وأنّ الحفاظ عليها يتطلّب بين حينٍ وآخر عدواً صغيراً يمكن صفعه أمام الشاشات.

الشرع لم يُقدّم أكثر من مقارنةٍ باردةٍ بين سرعات النمو في المنطقة، لكنّ المقطع خرج من فمه واستقرّ في ماكينة الغضب المصري. هناك، لا تمرّ الكلمات مروراً عابراً. فهي تُوزن بميزان التاريخ والكرامة والموقع، وتُحاكم كأنها بيانات حرب. وفي العالم العربي، كما أثبتت الواقعة، لا تُقاس الدول فقط بما تُنجز، بل بما تُثيره الجمل من عواصف.

شارك المقال