زيارة أبي أحمد إلى مصر كانت زيارة اضطرارية، جاءت بعد تهديدات داخلية وخارجية حاصرت رئيس الوزراء الإثيوبي من كل جانب. في تلك اللحظة، لم يعد لديه أي مساحة للتنفّس أو الهروب من المواقف المعقدة التي وجد نفسه فيها. القوات المصرية، التي كانت تحيط بإثيوبيا من جميع الجوانب، إلى جانب التهديدات الداخلية التي كانت تهدد بقاءه في السلطة، أجبرت أبي أحمد على اتخاذ قرار مصيري.
على مدى سنوات، خضع أبي أحمد لمجموعة من التهديدات الداخلية التي هزّت استقرار حكومته، بما في ذلك التمردات والصراعات العرقية التي عصفت بالبلاد، ما جعله يواجه تحديات كبرى في إدارة السلطة. ولكن الأهم من ذلك كانت التهديدات الخارجية التي فرضتها مصر على خلفية مشروع سد النهضة الإثيوبي، الذي كان يُعتبر تهديدًا لأمنها القومي. حاولت إثيوبيا في السابق التحكّم في مياه نهر النيل، ما جعل مصر تشعر بأن مصالحها في إمدادات المياه أصبحت مهددة، الأمر الذي دفعها لتحرك سريع وفعّال.
الضغوط الداخلية والخارجية على أبي أحمد
ومع تصاعد التوترات والتهديدات من جميع الجهات، وجد أبي أحمد نفسه مضطرًا للقبول بشروط اتفاقية جديدة مع مصر، بعد أن كان يراهن على قدرته على التحايل. كان الضغط المصري في أوجه، وظهر جليًا في عدة مجالات كان لها تأثير قوي على إثيوبيا. الاتفاقية الجديدة شملت عدة بنود رئيسية فُرضت من قبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وكان أبرزها:
1- تحكم مصر في إدارة سد النهضة: الاتفاق ينص على أن تكون مصر هي المهيمنة على إدارة السد، مما يضمن لها السيطرة على آلية تشغيله وتأثيره على مياه النيل.
2- حق القاهرة الكامل في تحديد الحصص: يُعطي الاتفاق مصر الحق في تحديد حصة المياه التي يمكن لإثيوبيا الحصول عليها من النهر، مما يمنحها نفوذًا كاملاً في تخصيص المياه وفقًا لاحتياجاتها.
3- منع بناء سدود جديدة: كان سد النهضة بداية سلسلة من التهديدات بإقامة المزيد من السدود التي كانت الحكومة الإثيوبية تروّج لها في المستقبل. نصّ الاتفاق على منع إثيوبيا من بناء سدود إضافية على نهر النيل.
نجاح الدبلوماسية المصرية: خطوات متقنة لإخضاع أبي أحمد
إلى جانب الشروط التي تم فرضها في الاتفاقية، تشير تقارير غربية إلى أن الدبلوماسية المصرية نجحت في إجبار أبي أحمد على الرضوخ بفضل مراحل من الضغط استخدمتها مصر بحنكة وذكاء، لتحقيق مصالحها الوطنية. مصر لم تكتفِ بالتحركات العسكرية أو التهديدات، بل استخدمت دبلوماسية متقنة في الساحة الإقليمية والدولية. وكان من أبرز خطوات هذه الدبلوماسية:
1- عودة مصر للسيطرة على دول القرن الإفريقي ومنطقة حوض النيل: عملت مصر على استعادة دورها القيادي في المنطقة، وهو ما جعلها أكثر قوة في مواجهة التحديات التي فرضتها إثيوبيا. دبلوماسيًا، سعت مصر للضغط على إثيوبيا من خلال دعم دول حوض النيل.
2- استعادة دور مصر القيادي في العالم العربي وشمال أفريقيا: عملت مصر على تعزيز مكانتها الإقليمية من خلال تقوية علاقاتها مع الدول العربية وإعادة بناء تحالفاتها الاستراتيجية.
3- التحالفات مع دول الخليج العربي: أكدت مصر قوتها من خلال تعزيز تحالفاتها مع دول الخليج العربي، مما منحها دعمًا دبلوماسيًا وعسكريًا لتعزيز موقفها في ملف سد النهضة.
4- دعم مصر للجيش الإريتري: قامت مصر بتدريب الجيش الإريتري وتسليحه بأحدث الأسلحة، مما منحها نفوذًا في السواحل والموانئ الإريترية، وهو ما عزز قوتها في البحر الأحمر.
5- موقف مصر في السودان: كانت مصر واضحة في دعمها للقوات المسلحة السودانية في مواجهة أي تهديدات داخلية قد تؤثر على استقرار المنطقة، مما جعلها لاعبًا أساسيًا في حفظ التوازن في الإقليم.
6- التحسين في العلاقات مع الدول الجارة: عملت مصر على تصفير المشاكل مع الدول الجارة، بما في ذلك تحسين علاقاتها مع تركيا، مما خلق شبكة من التحالفات التي تدعم موقفها الإقليمي.
ضغط الأسلحة المتطورة على أبي أحمد
مع وصول أسلحة متطورة للغاية إلى مصر، شعر أبي أحمد برعب شديد وأصبح يواجه ضغوطًا غير مسبوقة. بدأت مصر في استعراض قوتها العسكرية بشكل متزايد في دول الجوار مثل الكونغو وتنزانيا، وهو ما جعل الوضع يبدو وكأن النهاية اقتربت. شعر أبي أحمد بأن المواجهة مع مصر قد تصبح أكثر تعقيدًا، ما دفعه للبحث عن طريقة للتهدئة.
أبي أحمد يُقرّ بقبول شروط السيسي
لقد حاول رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، بعث رسائل إلى مصر والسودان وإريتريا، التي تجمعه ببلادهم خلافات بارزة متعلقة بمخاوف هذه الدول من تهديدات “سد النهضة” لحصصها المائية، ورفض أي وجود لأديس أبابا على أي منفذ في البحر الأحمر. تلك الرسائل التي جاءت خلال كلمة أبي أحمد في البرلمان الإثيوبي، بعد أسابيع من انتقاد مصر وإريتريا لبلاده، كانت موجهة للداخل والخارج، بحسب خبراء في الشؤون الأفريقية، ويهدف من خلالها إلى تهدئة تكتيكية لكسب مزيد من الشعبية في ظل الضغوط الاقتصادية، وفتح قنوات تواصل مع دول العالم لتحقيق الوصول إلى منفذ للبحر الأحمر كما فعل في ملف “السد”.
في النهاية، وافق أبي أحمد على التوصل إلى اتفاق مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بعد وساطة أميركية عبر مبعوث ترامب. وقد أعلن أبي أحمد، عبر الوسيط الأميركي مسعد بولس، أنه سيقبل تمامًا بما يقوله السيسي، وأنه لن يفعل أي شيء يُغضب مصر مرة أخرى.
في ظل هذه التغيرات، أظهرت الدبلوماسية المصرية نجاحًا كبيرًا في إخضاع إثيوبيا لشروطها، مما يعكس قوة مصر الإقليمية وقدرتها على التأثير في القضايا الحيوية التي تمس أمنها القومي. فرضت مصر قيودًا على التحكم في مياه النيل وأكدت إدارتها الكاملة لسد النهضة. كانت هذه التغيرات نتيجة لصبر مصر، الذي اتسم باستراتيجية متكاملة جمعت بين التحالفات العسكرية والدبلوماسية، ليخرج رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أخيرًا مُجبرًا على القبول بشروط مصر.


