انتخابات العراق … بين “الفالوذج” و”الرافعات الشعبية”

ميسر الشمري

من لا يفهم العقل السياسي العراقي الحاكم حالياً، يعتقد أن فشل نحو 20 من كبار شيوخ العشائر في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، أن النخب الحاكمة في العراق تتجه نحو بناء دولة مدنية ديمقراطية، لا دولة يشرّع لها أبناء العشائر.

كنتُ ولا زلتُ أتمنى ذلك، لكن ما يحدث لا يمتّ لهذا التوقع بصلة.

في شمال العراق، يسيطر الأكراد على إقليمهم المستقل منذ عقود، ونجح مرشحون أكراد في البرلمان الجديد، علماً أن غالبية الشعب الكردي أبناء عشائر، وعلى رأسهم الرئيس مسعود برزاني، الذي يعتبر “الرقم الأصعب” في جميع حكومات العراق منذ العام 2003، ليس هذا فحسب، بل كان (كما والده) رقماً صعباً في “العهد الوطني”.

بعض زعماء القبائل الذين خاضوا الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق وفشلوا، لم يكونوا “خونة” و”غير متعلمين”، بل إن أغلبهم تخرّج في جامعات العراق، عندما كانت الجامعات العراقية تتصدر الجامعات العالمية. كما أنهم ليسوا خونة.

قبل أن نذهب بعيداً في التفاصيل، دعونا نحدد ونعرف الخيانة ومن هو الخائن. الخائن في منظور أغلب الوطنيين العراقيين الذين ثبتوا على المبدأ، هو كل من وضع يده في يد المحتل الأميركي يُعتبر خائناً، وإذا ما كان هذا المقياس يندرج على الجميع فإن كل من دخل في العمل السياسي (الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية) بعد العام 2003 يُعتبر خائناً، وبالتالي كل الموجودين في الحكم الآن خونة. ومعلوم أن الخائن يهمه أن يأتي بخائنٍ مثله إلى واجهة العمل العام.

المسألة أبعد من ذلك…

أغلب هؤلاء الزعماء العشائريين الذين فشلوا في الانتخابات البرلمانية، لم يقدموا ولاءهم لإيران على ولائهم للعراق. أعرف البعض منهم. أعرف مدى غيرتهم على وطنهم. لاحظوا أنني أقول “البعض منهم” وأكررها دائماً. بعض هؤلاء الزعماء العشائريين قتلهم الفقر، كما قتل أفراد عشائرهم، وخصوصاً عشائر الجنوب، وعذراً على هذا اللفظ (وبالأخص العشائر العربية الشيعية في الوسط والجنوب)، الذين رفعوا الصوت عالياً بعد الاحتلال الأميركي لوطنهم بيوم واحد. بالمناسبة، والشيء بالشيء يُذكر، أغلب ثوار تشرين 2019 هم من أبناء هذه العشائر المسحوقة.

بعض (أكرر) بعض هؤلاء الزعماء الذين خسروا الانتخابات، رفضوا الدعوة التي وجهها الرئيس الإيراني محمد خاتمي لزعماء العشائر العراقية بعد احتلال العراق. كنتُ حينها في العراق، وكنتُ شاهداً على رفض أغلب زعماء العشائر لهذه الدعوة، وخصوصاً أهلنا في الجنوب.

أعتقد أن إيران وأميركا يتبادلان المعلومات كما يتبادلان الاتهامات، وأغلب الذين خسروا الانتخابات وكانوا التَقَوا في السابق المحتل الأميركي لسبب أو لآخر، وأبدوا استياءهم للمحتل الأميركي من التدخل الإيراني في شؤون بلادهم. أعتقد أن هكذا تذمر من التدخل الإيراني ونقله للمحتل الأميركي هو منتهى الغباء السياسي، إذ كيف تشكو حالك لمحتل من محتلٍ جاء تحت غطاء المحتل الذي تشكو إليه.

طبعاً نجح في الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق نواب وطنيون محترمون، لم يتلوثوا بالدم العراقي، ولم يُغْرِهم “الفالوذج” الفارسي اللذيذ ولا من يقدمه، مع ذلك نجحوا. كيف نجحوا؟ لا أعلم، لكن يبدو أن رافعتهم الشعبية أكبر من الرافعات الأخرى.

شارك المقال