بعد التوتر الطائفيّ في حمص: من يُؤجّج الفتنة بيْن جبل محسن وباب التبانة؟

إسراء ديب

يُتابع أهالي طرابلس الأحداث الأمنية التي اتخذت منحى “الثأر الطائفيّ” بين السنّة والعلويين في محافظة حمص السورية، وذلك عقب جريمة قتل استهدفت رجلًا من عشيرة بدوية (سنّية) وزوجته في منزلهما ببلدة زيدل، حيث أُحرقت جثة الزوجة وحرص الجناة على كتابة عبارات طائفية في المنزل لتتخذ الجريمة بُعدًا طائفيًا بوضوح، ممّا دفع بعض أفراد العشيرة إلى اقتحام حيّ المهاجرين (ذي الأغلبية العلوية) في المحافظة نفسها، وإطلاق النّار في الشوارع وحرق السيّارات والمنازل، وسط تضارب الأنباء حول سقوط ضحايا وجرحى، وورود معلومات تنفي هذه المعطيات.

وفي ظلّ ترجيح المعنيين في عاصمة “الثورة السورية” أنّ الجريمة قد تكون ذات دوافع شخصية، تعمّد منفّذها الإيحاء بأنّها طائفية، بغية إبعاد الشبهات عنه وإشعال الفتنة، (خصوصًا في ظلّ الأزمات الطائفية التي تمرّ بها بلاده)، انعكس هذا السيناريو على بعض مناطق طرابلس بصورة مباشرة وبطريقةٍ غير متوقّعة، حيث نشرت صفحة عبر “فيس بوك”، باسم “شبكة أخبار جبل محسن” منشورًا أوْحت فيه بأنّ الجبل سيُنظم مظاهرات نُصرة للطائفة العلوية في سوريا، اعتراضًا على الجرائم التي تُرتكّب بحقّها هناك، وكتبت تحديدًا: “غدًا يوم الوفاء للدّم”.

المنشور لم يمرّ مرور الكرام في مدينةٍ عاشت أكثر من 20 جولة عنف بيْن جبل محسن وباب التبانة قبل وبعد اندلاع الثورة السورية، وقد نجح في إثارة الجدل حول صحّته. واللافت كان تعليق بعض صفحات باب التبانة الذي أكّد أنّ أيّ مظاهرة في الجبل سيُقابلها اُخرى مماثلة في التبانة، وسط تكثيف الدّعوات للالتزام بالنزول إلى الشارع في حال تنفيذ أيّة خطوة ميدانية.

وتُبدي الأوساط الطرابلسية المتابعة لهذه التفاصيل، رفضًا قاطعًا لتوريط المدينة في فتنة جديدة أو إقحامها في أيّ سيناريو سياسيّ لا يمتّ للواقع اللبناني بصلة، ولا يعود بأيّ فائدة على المنطقتيْن الفقيرتيْن أساسًا، مؤكّدة رفضها للدّعوات التي من شأنها زعزعة استقرار المدينة، لا سيما في الشوارع التي ما تزال تحمل ندوب ذاكرة دموية رسّخها النّظام السوريّ بجرائمه، ما يجعل المواطنين، خصوصًا أبناء باب التبانة، في مواجهة “حساسية” مستمرّة بسبب هذا الموضوع.

لكن جبل محسن، الذي تحدّثت الصفحة باسمه، رفض الانجرار إلى الحرب الدّائرة في سوريا على الرّغم من تعاطفه مع أبناء طائفته، وسُرعان ما نفى حدوث أيّ مظاهرة أو اعتصام لتأييد أحد. ويقول المختار عبد اللطيف صالح، الذي يُتابع هذه التفاصيل ميدانيًا لـ “لبنان الكبير”: “لم يصدر أيّ بيان عن المجلس الإسلامي العلوي في لبنان يدعو إلى التظاهر، وقد سبق لرئيس المجلس الشيخ علي قدّور أنْ أوضح أنّ قضية أبناء الطائفة العلوية في لبنان منفصلة عن سوريا، وبالتالي فإنّنا جميعًا، على اختلافنا، نسير تحت عباءة مجلسنا الذي يتولّى جميع شؤوننا”.

ويُضيف: “لم تدع الفعاليات في الجبل لأيّ تحرّك، ونحن، كعلويين اليوم، نواجه محنة كبيرة لم يدعمنا أحد لتخطّيها، وقد وقفنا أمام الكثير من المطبّات والمشكلات ولم نجد من يُنجدنا منها، ومن يدعِ اليوم إلى اعتصامات أو أيّ تحرّك آخر، لم يُفكّر بالجيش اللبناني الذي يُواجه صعوبات وملفات كبيرة، وكيف لنا أنْ نُشتّت انتباهه بقضية سورية أساسًا؟”.

ويُؤكّد صالح أنّ كاتب المنشور ينتمي إلى الطائفة العلوية، لكنّه لا يُقيم في جبل محسن أساسًا. أمّا عن قرار الأهالي، فهو يلفت إلى ضرورة نبذ الفتنة والانطلاق بوعي يُدرك المخاطر المحيطة بنا، سعيًا لغدٍ أفضل وأكثر تماسكًا وانسجامًا مع عاصمة الشمال، خصوصًا في ظلّ وجود مخابرات الجيش والأجهزة الأمنية كافة والتي تعمل جاهدة للحفاظ على الأمن”.

ويختم صالح كلامه مذكّرًا بوفاة العلّامة الشيخ أبو حيدر محفوض سلوم من الطائفة العلوية قبل أيّام، مشيرًا إلى أنّه وحّد الطوائف جميعها خلال مراسم التشييع والعزاء، مضيفًا: “الكثير من أهالي باب التبانة شارك في العزاء على الرّغم من أنّه لا يعرفه، وهذا يدلّ على الأصول السليمة والطيّبة التي يتمتّع بها الطرابلسيّ، وذلك “إنْ ابتعد عنّا السياسيون”.

ومن التبانة، يُشكّك مصدر متابع لـ “لبنان الكبير” في صحّة ما ورد في منشور ابن الجبل، قائلًا: “لا نريد أيّ استفزاز في هذه المرحلة تحديدًا، وقد يرى البعض أنّنا احتفلنا بإسقاط النّظام مثلًا، ويتساءل لماذا تعتصمون ونحن لا نعتصم؟ لكنّنا فرحنا حينها بسقوط من قتلنا في مساجدنا ومدينتنا بكلّ عجرفة وتكبّر منذ أعوام، ومن أذلّنا وأهان كرامتنا، ولهذا السبب نفرح ونهلّل لسقوطه، لكنّنا في الوقت عيْنه، لا نرغب في الاشتباك مع أحد في مدينتنا التي تستحقّ الهدوء، ونؤكّد رفضنا محاولات العبث بأمن مدينتنا”.

شارك المقال