وافقت الحكومة بعد حرب عام 1996 على اقتراح كتلة التحرير القاضي بإعفاء القرى المحتلّة في الشريط الحدودي والقرى المحرَّرة المحاذية له من رسوم المياه والكهرباء، في خطوة هدفت يومها إلى دعم السكان وتعويض جزء من الخسائر التي تكبّدوها جرّاء الاعتداءات الإسرائيلية. وبعد حرب تموز 2006، دعا الرئيس المدير العام لهيئة “أوجيرو” الدكتور عبد المنعم يوسف المتضرّرين الذين كانوا قد سدّدوا فواتيرهم الهاتفية عن الفصل الثالث من ذلك العام إلى استرداد أموالهم بدءًا من 19 آذار، مع الإعفاء من دفع فواتير الفصل الرابع لعام 2006 والفصل الأول من عام 2007، إضافة إلى شمولهم بإعفاءات واسعة من فواتير الكهرباء.
وفي الحرب الأخيرة، مُنحت الوحدات السكنية المدمّرة أو المتضرّرة بفعل العدوان الإسرائيلي إعفاءات شاملة من ضريبة الأملاك المبنيّة، ومن رسوم الاتصالات والمياه والكهرباء والبلدية والقيمة التأجيرية، وذلك اعتبارًا من 8 تشرين الأول 2023، تاريخ فتح جبهة الإسناد اللبنانية تضامنًا مع غزة، بعد إقرار القانون المقدَّم من عدد من النواب، والذي صادق مجلس النواب عليه في 11 تموز 2025 ونُشر في الجريدة الرسمية في 17 تموز 2025.
لكن في لبنان بلد العجائب، يدفع صاحب المنزل المدمّر فاتورة الكهرباء!
بالتفصيل، ينص القانون الوارد بالمرسوم رقم 410 تاريخ 4 حزيران 2025 على “منح المتضرّرين من الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان بعض الإعفاءات من الضرائب والرسوم وتعليق المهل المعلّقة بالحقوق والواجبات الضريبية…”. وفي المادة الثالثة من القانون المنشور في العدد 31 من الجريدة الرسمية الصادرة في 17 تموز 2025، فإنّه “خلافًا لأي نصّ آخر، تُعفى من رسم القيمة التأجيرية وسائر الرسوم البلدية ورسوم المياه والكهرباء والهاتف الثابت وحدات العقارات أو أقسامها التي تدمّرت أو تضرّرت من جراء الاعتداءات الإسرائيلية، وذلك اعتبارًا من 8/10/2023. ويُعفى كذلك جميع المتضرّرين في قرى أقضية حاصبيا، مرجعيون، بنت جبيل، جزين وصور من رسوم الكهرباء للعام 2024 ورسوم المياه والهاتف الثابت للعام 2025”. ولتوسيع مروحة الإعفاءات، صدر في العدد 35 من الجريدة الرسمية بتاريخ 14/8/2025 استبدال عبارة “المتضرّرين” بعبارة “المكلّفين”.
يقول المهندس وهيب قطيش (عامل سابق في كهرباء لبنان) عبر “لبنان الكبير” إنّه: “في عام 2006، تمّ إيقاف إصدار الفواتير للمنازل المدمّرة والمتضرّرة بشكل كبير، بعدما استعانت كهرباء لبنان بفرق من مختلف المناطق للكشف على البلدات التي تعرّضت للقصف وعلى الأبنية كافة، وذلك انسجامًا مع قرار الحكومة حينها بالإعفاء. أمّا اليوم، فلم يحصل أي إجراء مماثل”. مضيفًا: “علماً أنّ حرب 2006 دامت 33 يومًا فقط، فيما يعيش سكان المناطق الحدودية اليوم تهجيرًا مستمرًا منذ سنتين، وما زالوا. أمّا باقي المناطق، فلم يُهجَّر سكانها إلا لمدة 66 يومًا فقط، رغم أنهم تكبّدوا خسائر كبيرة تُحتّم إعفاءهم من فواتير عامَي 2024 و2025 على الأقل، خصوصًا أنّ الحياة حتى اليوم لم تعد إلى طبيعتها بالكامل خارج الشريط الحدودي”.
ويؤكد أن: “المناطق الحدودية يجب أن تكون استثناءً واضحًا، إذ إن سكانها خسروا أرزاقهم ومصادر عيشهم وبيوتهم، وحتى الأشجار المثمرة جرى جرفها. لذلك، فإنّ الواجب يقضي بإعفاء أهالي الحدود من كل المتوجّبات السابقة والحالية إلى حين عودتهم وإعادة الإعمار، فهذه البلدات تُعدّ منكوبة بالفعل، ويبدو أن الدولة تتجنّب إعلانها منطقة منكوبة هربًا من مسؤولياتها تجاه سكّانها”.
في السياق عينه، يؤكد رئيس تجمع أبناء المناطق الحدودية طارق مزرعاني أن: “أهالي القرى الجنوبية تفاجؤوا بتسلّمهم فواتير كهرباء عائدة لعام 2023 عبر الجابي، حتى للمنازل المهدّمة أو المهجورة التي ما زالت عدّاداتها موجودة في أماكنها رغم عدم قابليتها للاستعمال. ويأتي ذلك في وقت يعتقد فيه المواطنون أنّ الدولة أقرت إعفاءات شاملة للمتضرّرين من العدوان، ما يثير صدمة واسعة وغضبًا مشروعًا”.
ويلفت إلى أنّ: “فور ورود هذه الشكاوى، أصدر التجمع بيانًا للتحذير من خطورة الأمر، خصوصًا أنّ العديد من الأهالي يتلقّون مبالغ كبيرة، فيما هم يرزحون أصلًا تحت أعباء الإيجار والمياه والاشتراك والخسائر المتراكمة، ناهيك عن أنّ قسمًا كبيرًا منهم ما زال مهجّرًا ولا يقيم في منازله”. مشيرًا إلى أنّ: “وفقًا لمصادر داخل شركة كهرباء لبنان، فإنّ الإشكالية تعود إلى أنّ القانون الأخير يعفي فقط من رسوم عام 2024، من دون أن يشمل عام 2023، كما أنّ نص القانون كان غامضًا ولا يحدد معنى “الفاتورة” أو مكوّناتها، ما يدفع الشركة إلى تطبيق الإعفاء على الرسوم فقط، باعتبار أنّ الفاتورة لديها تتضمن بنودًا متعددة مثل الاشتراك والغرامات. وتشير الشركة إلى أنّها غير قادرة على إعفاء سنوات سابقة بلا قرار واضح ومراسيم تطبيقية محدّدة”.
ويشدد على أنّ: “المشكلة لا تقع على عاتق شركة الكهرباء وحدها، إذ إنّها من الجهات القليلة التي تواصل العمل في الجنوب منذ وقف إطلاق النار وتشارك في إعادة تأهيل البنية التحتية”. ويضيف: “المسؤولية الفعلية تقع على الدولة والوزارات المعنية التي لم تُصدر بعد مراسيم تطبيقية واضحة تترجم القانون وتحدّد آليات تنفيذ الإعفاء”.
ويطالب مزرعاني بإصدار مراسيم تطبيقية رسمية تحدّد بشكل صريح النقاط التالية:
1. ما إذا كان الإعفاء يشمل كامل الفاتورة أو جزءًا منها.
2. ما إذا كان يجب أن يمتد ليشمل عام 2023 نظرًا لاستمرار التهجير والخسائر.
3. آلية تطبيق الإعفاء وتبليغ الإدارات المعنية، بما في ذلك مؤسسة كهرباء لبنان، مؤسسات المياه، والبلديات.
ويؤكد أن: “غياب الشفافية والمتابعة يسمحان بتفاقم الأزمة”، داعيًا الأهالي والبلديات إلى التحرّك، وشركة الكهرباء إلى تجميد العمل بالفواتير مؤقتًا إلى حين صدور توضيحات رسمية. كما يدعو الوزراء والنواب، ولا سيما لجنة الأشغال ونواب المنطقة، والإعلام، إلى تبنّي هذا الملف والضغط باتجاه معالجته بجدية”.
ويختم قائلًا إنّ: “الناس لم تعد قادرة على تحمّل أعباء إضافية، والإعفاء حقّ وليس منّة. المطلوب قانون واضح، ومراسيم واضحة، ومذكرات إدارية رسمية، لأنّ الإدارات العامة لا تعمل بالاجتهادات، بل بالتعاميم والقرارات الملزمة”.
أمّا أحد المواطنين من القرى الحدودية فيُطلق صرخته عبر موقع “لبنان الكبير” قائلًا: “كيف يطلبون منا دفع فواتير كهرباء لبيوت لم تعد موجودة؟ منازلنا مدمّرة، وأرضنا لا تزال محتلة، ولا يوجد فيها لا ماء ولا كهرباء… ومع ذلك تصلنا الفواتير وكأن شيئًا لم يحدث! بأي حق تُطالَب عائلات منكوبة بخدمات لم تعد قائمة أصلًا؟ لقد تُركنا نواجه مصيرنا وحدنا، فيما المؤسسات تتصرّف وكأننا نعيش la vie en rose. هذه الجباية ليست سوى ظلم جديد فوق ركام بيوتنا الذي لا نعرف حتى متى سيُعاد بناؤه”.


