في أحدث تقييم دولي يسلّط الضوء على المسار الدقيق الذي يسير عليه الاقتصاد اللبناني، أعادت وكالة “موديز” للتصنيف الائتماني إحياء النقاش حول قدرة لبنان على الخروج من أزمته المالية غير المسبوقة، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة ستتحدد بميزان دقيق بين الإصلاحات المنتظرة والضغوط المتصاعدة. ويأتي تقرير الوكالة في وقت يعيد فيه لبنان رسم ملامح مرحلة سياسية واقتصادية جديدة، وسط ترقب داخلي وخارجي لما إذا كانت الإصلاحات ستترجم فعلياً إلى خطوات تعيد بناء الثقة وتفتح الباب أمام إعادة هيكلة شاملة للدين ودعم دولي محتمل.
تثبيت التصنيف السيادي
إذا، أكدت وكالة “موديز” تثبيت التصنيف السيادي للبنان عند مستوى “C”، مع الإبقاء على النظرة المستقبلية المستقرة. كما ثبتت الوكالة تصنيف برنامج السندات متوسطة الأجل غير المضمونة عند (P)C، إضافة إلى تأكيد التصنيف الائتماني قصير الأجل عند (P)NP.
ويعكس تصنيف “C” بأن الخسائر التي تكبدها حاملو السندات منذ بدء تخلف لبنان عن السداد في آذار 2020 مرجّحة لتتجاوز 65 في المائة. وفي الوقت نفسه، يواجه لبنان تحديات اقتصادية ومالية واجتماعية حادّة، تتفاقم بفعل المخاطر الجيوسياسية المرتفعة، رغم دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” حيّز التنفيذ.
وتشير النظرة المستقبلية المستقرة إلى أن تصنيف لبنان غير مرجّح أن يشهد أي تغيير قبل اكتمال عملية إعادة الهيكلة، وذلك في ظل حجم التحديات الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وتوقعات “موديز” باستمرار الخسائر الكبيرة مقارنة بالتعهدات الأصلية.
سقوف التصنيف بالعملتين
وبقي سقف التصنيف بالعملة المحلية عند مستوى “Ca”، أي درجة واحدة فوق التصنيف السيادي، وكذلك سقف التصنيف بالعملة الأجنبية عند “Ca”. ويعكس سقف العملة المحلية ضعف الموثوقية المؤسسية وانخفاض القدرة على التنبؤ بالسياسات الحكومية، إضافة إلى المخاطر الداخلية والجيوسياسية الواسعة التي ترفع مستوى مخاطر الدولة. أما سقف العملة الأجنبية عند المستوى نفسه، فيعكس حالة “الدولرة الفعلية” للاقتصاد في ظل القيود المستمرة على تحويل الودائع بالعملات الأجنبية وسحبها، والتي تتوقع “موديز” استمرارها حتى تنفيذ إعادة هيكلة الديون. ويستمر الاقتصاد في الاعتماد على تحويلات مالية كبيرة عبر قنوات غير رسمية تتجاوز النظام المصرفي.
ومنذ تخلّف الحكومة عن سداد سندات اليوروبوند في آذار 2020 وإعلان نيتها إعادة هيكلة الدين العام بالعملتين المحلية والأجنبية، فشلت الحكومات المتعاقبة في تنفيذ العملية. وتؤكد الوكالة أن التشابك الكبير بين القطاع العام ومصرف لبنان والمصارف التجارية يتطلب إعادة هيكلة شاملة لجميع هذه المكونات كشرط أساسي لاستعادة القدرة على تحمل الديون، ولتأمين أي دعم مالي من صندوق النقد الدولي.
وقد أدى الانهيار الحاد لليرة وارتفاع التضخم عقب فكّ ربطها بالدولار إلى تآكل الجزء الأكبر من الدين المحلي، في حين تراكمت فوائد غير مدفوعة على سندات اليوروبوند البالغة 31 مليار دولار، لترتفع الالتزامات الإجمالية إلى 42 مليار دولار (ما يعادل 127 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025). وتقدّر “موديز” عبء الدين العام المركزي بنحو 148 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي (مقارنة بـ 163.8 في المئة في 2024)، تشكل الديون المقومة بالعملة الأجنبية منها 98 في المئة. وتتوقع الوكالة بقاء مستوى الدين مرتفعاً في 2026 ما لم تُنجز عملية إعادة الهيكلة.
إصلاحات أساسية
تقول “موديز” إن لبنان شهد في عام 2025 محطة سياسية مفصلية أنهت أربع سنوات من الجمود الذي أعقب التخلف عن السداد. فقد مثّل انتخاب الرئيس جوزيف عون في كانون الثاني، وهو القائد السابق للجيش، خطوة أولى نحو استعادة انتظام المؤسسات. وتكرّس هذا المسار بتشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام في شباط، ما أعاد الأمل بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات طال انتظارها.
هذا التحوّل السياسي فتح المجال أمام إقرار مجموعة من القوانين الأساسية التي تشكّل قاعدة لإعادة بناء الاقتصاد. فقد تم تعديل قانون السرية المصرفية بطريقة تعزّز الشفافية والمساءلة، وهو عنصر ضروري لاستعادة الثقة المحلية والدولية. كما أُقرّ قانون إعادة هيكلة المصارف الذي يضع الإطار القانوني لمعالجة أوضاع القطاع المصرفي، في خطوة تُعد حاسمة لأي خطة تعافٍ شاملة.
المرحلة المقبلة وتوقعات النمو
وبعد أربع سنوات من الجمود السياسي الذي أعقب التخلف عن السداد، شهد لبنان في عام 2025 محطة سياسية مفصلية، فقد مثّل انتخاب الرئيس جوزيف عون في كانون الثاني خطوة أولى نحو استعادة انتظام المؤسسات. وتكرّس هذا المسار بتشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام في شباط، ما أعاد الأمل بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات طال انتظارها. هذا التحوّل السياسي فتح المجال أمام إقرار مجموعة من القوانين الأساسية التي تشكّل قاعدة لإعادة بناء الاقتصاد. فقد تم تعديل قانون السرية المصرفية بطريقة تعزّز الشفافية والمساءلة، وهو عنصر ضروري لاستعادة الثقة المحلية والدولية. كما أُقرّ قانون إعادة هيكلة المصارف الذي يضع الإطار القانوني لمعالجة أوضاع القطاع المصرفي، في خطوة تُعد حاسمة لأي خطة تعافٍ شاملة.
وشملت التشريعات الأساسية التي أُقرت هذا العام:
• تعديل قانون السرية المصرفية لتعزيز الشفافية والمساءلة،
• قانون إعادة هيكلة المصارف الذي يضع الإطار القانوني لعملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وتركّز الحكومة في المرحلة الراهنة على استكمال قانون الفجوة المالية، الذي يُعدّ خطوة أساسية لتحديد آلية توزيع الخسائر الكبيرة في القطاع المالي بين مختلف الأطراف، مع الحرص على حماية صغار المودعين باعتبارهم الفئة الأكثر هشاشة. ويأتي ذلك ضمن مسار إصلاحي أشمل يسعى إلى إعادة التوازن للنظام المالي وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.
اقتصاديًا، وبعد انكماش حاد بلغ 7.5 في المئة في عام 2024، تتوقع وكالة “موديز” أن يعود الاقتصاد اللبناني إلى تحقيق نمو متواضع لكنه إيجابي، مع ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.5 في المئة في 2025 و3.5 في المئة في 2026، استنادًا إلى استمرار الهدوء الأمني ووقف إطلاق النار. هذا التحسن المرتقب من شأنه أن يهيئ بيئة أكثر استقرارًا للأعمال، ويفتح المجال أمام عودة الاستثمار المحلي والخارجي بصورة تدريجية.


