في الوقت الذي تسعى فيه مختلف الكتل النيابية إلى خطف اقتراح قانون العفو العام، ووضعه تحت جناحها للاستثمار فيه سياسياً وانتخابياً وشعبوياً، برز موقف النواب السنّة موحداً وواضحاً، رافضاً أي تنازل عن حقوق الموقوفين السنّة في السجون، ولا سيما الموقوفين الإسلاميين الذين تحوّل ملفهم، على مدى سنوات، إلى عنوان صارخ للظلم والانتقائية في التعاطي القضائي والسياسي.
ووفق احد النواب الحاضرين في الجلسات لموقع “لبنان الكبير”، البعض لا يتعامل مع هذا الملف بوصفه بنداً قابلاً للمقايضة أو التسويات الجانبية، بل كقضية حقوقية وسياسية وإنسانية لا يجوز التفريط بها، خصوصاً بعدما دفع كثير من هؤلاء الموقوفين أثماناً باهظة نتيجة مناخ سياسي وأمني كان منحازاً ضدهم، ومتأثراً بسطوة “حزب الله” ونفوذه داخل مفاصل الدولة.
وتأتي صلابة الموقف السنّي في مواجهة محاولات مكشوفة من بعض الكتل لتوسيع العفو على نحو يخدم مصالحها الخاصة، عبر إدخال فئات لا يمكن مساواتها بالموقوفين الإسلاميين، كالمتهمين والمحكومين في قضايا التجسّس والعمالة والفارين إلى إسرائيل، فضلاً عن محاولات الدفع باتجاه شمول تجار المخدرات، في صياغات جديدة تبدو، بحسب أوساط متابعة لـ”لبنان الكبير”، مصمّمة لإرضاء الكتل المسيحية والثنائي الشيعي سياسياً وانتخابياً وشعبوياً.
وتستغرب هذه الأوساط كيف يُراد تحويل العفو العام من فرصة لإنصاف المظلومين إلى بازار سياسي، تُخلط فيه الملفات عمداً، ويُوضَع فيه الموقوف الإسلامي، الذي بقي سنوات خلف القضبان من دون محاكمة، في الخانة نفسها مع العميل والفار إلى إسرائيل وتاجر المخدرات. وهذا، بحسب الأوساط نفسها، ليس نقاشاً قانونياً بريئاً، بل محاولة واضحة لتمييع جوهر العفو وضرب مطلب أساسي يرفعه الشارع السنّي منذ سنوات.
وفيما تتركّز الاعتراضات على بعض القضايا التي يصفها البعض بالإرهاب، مع الإصرار على استبدال عقوبة الإعدام بالسجن 25 أو 30 سنة، وتحديد عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة بالسجن لمدة 20 سنة، يرفض النواب السنّة هذا السقف المرتفع، ويتمسكون بضرورة خفض العقوبات إلى ما دون 15 و20 سنة، انطلاقاً من أن العفو، إذا لم يؤدِّ إلى إنصاف فعلي، يتحوّل إلى مجرّد مناورة شكلية لا تغيّر شيئاً في واقع الموقوفين.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاعتراض على خفض العقوبات لا يستند إلى منطق قانوني متين. فبالعودة إلى قانون العفو العام الصادر عام 1991، نصّت المادة الرابعة منه على خفض العقوبات في سائر الجرائم التي لم ينص عليها القانون، بحيث استُبدلت عقوبة الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة، واستُبدلت الأشغال الشاقة المؤبدة بالأشغال الشاقة المؤقتة لمدة عشر سنوات، كما خُفّضت عقوبات جنائية أخرى حتى النصف.
وبالتالي، فإن الادعاء بأن خفض العقوبات غير ممكن أو غير مسبوق، هو ادعاء غير دقيق. فالسابقة القانونية موجودة، والنص واضح، وما حصل عام 1991 يمكن الاستناد إليه اليوم، خصوصاً عندما تكون القضية مرتبطة بموقوفين أمضى كثيرون منهم سنوات طويلة في السجون من دون محاكمة أو أحكام نهائية.
وتقول أوساط متابعة إن ما يجري اليوم يكشف، مرة جديدة، حجم الإجحاف اللاحق بالموقوفين السنّة حتى في ملف العفو العام. فغالبية الموقوفين الإسلاميين، بحسب هذه الأوساط، ليسوا مجرمين ولا إرهابيين، بل ضحايا مرحلة سياسية وأمنية قاتمة، كانت فيها مناصرة الثورة السورية ومعارضة نظام الأسد قبل سقوطه، أو الاختلاف مع “حزب الله”، كافية لفتح ملفات أمنية وقضائية بحقهم.
وتضيف الأوساط أن “حزب الله”، الذي كان يرى في هؤلاء خصوماً سياسيين، عمل على دفع الأمور باتجاه فبركة ملفات إرهاب بحق عدد منهم، لإقصائهم والتخلص منهم وإزاحتهم من طريقه، فيما بقيت الدولة عاجزة أو متواطئة أو خاضعة لموازين القوى التي فرضها الحزب خلال تلك المرحلة.
وترى المصادر نفسها أن العدالة تبدأ أولاً من الاعتراف بأن هناك مئات الموقوفين الذين دُفنت أعمارهم في السجون، وأن أكثر من 85 في المئة منهم، وفق الأوساط المتابعة، لا يزالون موقوفين ولم يخضعوا لمحاكمات حاسمة.
والأخطر، بحسب هذه الأوساط، أن الدولة التي تتشدّد مع الموقوفين الإسلاميين وتماطل في ملفاتهم، تتعامل في المقابل بليونة لافتة مع عناصر محسوبين على “حزب الله”، يُطلق سراح بعضهم لقاء بدلات مالية ضئيلة لا تتجاوز 20 دولاراً، رغم توقيفهم متلبسين بسلاحهم ومخططاتهم.
من هنا، المطلوب ليس عفواً مشوّهاً أو تسوية على حساب المظلومين، بل قانون يعيد الاعتبار إلى من سُجنوا ظلماً، ويفتح باب الإنصاف أمام الموقوفين الإسلاميين، بدل أن يتحوّل العفو إلى صفقة جديدة تُرضي القوى النافذة وتترك الضحايا خلف القضبان.
فأي عفو عام لا ينصف الموقوفين الإسلاميين، ولا يضع حداً لهذا الظلم الطويل، سيكون عفواً ناقصاً، بل عفواً موجهاً ضد الجهة التي يُفترض أن يكون إنصافها في صلب القانون. أما تحويل الملف إلى بازار بين الكتل، أو محاولة مساواة الموقوف الإسلامي بالعميل وتاجر المخدرات، فليس سوى التفاف سياسي على جوهر القضية، ومحاولة جديدة لإسقاط حق السنّة في العدالة تحت عنوان العفو العام.


