وليد بخاري… سفير فوق العادة في زمن غير عادي

آية مصري

في بلدٍ اعتاد الأزمات أكثر مما اعتاد الاستقرار، برز اسم السفير السعودي في لبنان الدكتور وليد بخاري كأحد الوجوه الدبلوماسية التي اختارت العمل بهدوء وحضورٍ مدروس، بعيداً عن الضجيج الإعلامي التقليدي. وصل إلى بيروت بلقب “سفير فوق العادة”، وعلى مدى عشر سنوات نسج مساراً دبلوماسياً ارتبط بمحطات سياسية وإنسانية وحوارية عدّة، قبل أن يختتم مهمته بتقليده من رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر.

وخلال تلك السنوات، تخللت مسيرته مبادرات متنوّعة، من “فنجان قهوة” و“جسور”، إلى مؤتمر اتفاق الطائف، ومبادرة “الإمام موسى الصدر”، إضافة إلى اهتمامه بتوطيد العلاقة مع البطريركية المارونية، فضلاً عن مشاركته في “اللجنة الخماسية” التي واكبت أزمة الشغور الرئاسي، وصولاً إلى إطلاق 28 مشروعاً ممولاً سعودياً في لبنان، والعمل على أكثر من 25 اتفاقية تعاون بين بيروت والرياض.

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون يسلم وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر إلى السفير السعودي السابق في لبنان وليد البخاري
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون يسلم وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر إلى السفير السعودي في لبنان وليد البخاري

مبادرات متعددة المسارات

ولعل أولى هذه المبادرات كانت من حصة “فنجان قهوة” التي هدفت إلى تغيير سياسة الإعلام التقليدي والانفتاح على الإعلام الجديد، ومنها الوصول إلى شرائح مختلفة في المجتمع، وتبادل وجهات النظر وتعزيز ثقافة الحوار، فقام بدعوة شخصيات لبنانية مختلفة (سياسية، إعلامية، ثقافية، شبابية) من أجل فتح حوار مباشر بعيداً عن البروتوكول الرسمي. كما عمد إلى عدم البقاء بعيداً عن السلطة الرابعة، مع العلم أنه لم يظهر في أي مقابلة إعلامية، وبقيت تغريداته الحدث، وبين سطورها قُرئ الموقف السعودي.

ومن “فنجان قهوة” إلى مبادرة “جسور” الهادفة إلى تحقيق التواصل مع جميع مؤسسات المجتمع المدني، تماشياً مع الهوية الجديدة للدبلوماسية السعودية المستدامة، كفاتحة لنشاطات عملت على توطيد العلاقات اللبنانية – السعودية وتحقيق «الفهم المشترك» لطبيعة تلك العلاقات وكيفية تطويرها انطلاقاً من «الجوهر» الذي هو الإنسان.

الطائف” مرجعية أساسية

لم تتوقف مبادراته عند هذا الحد، فحاول التذكير دوماً بأهمية اتفاق الطائف نتيجة الإيمان العربي بهذا الاتفاق. بحيث دعا إلى المؤتمر الوطني في الذكرى الثالثة والثلاثين لإبرام اتفاق الطائف في الأونيسكو، شدّد خلاله على أن قيادة المملكة تحرص على الحفاظ على أمن لبنان واستقراره ووحدته، مؤكداً أن لبنان بأمسّ الحاجة إلى أن يجسد صيغة العيش المشترك في ركائزها الأساسية التي عالجها اتفاق الطائف، وخاصة في تحديد محورية الكيان اللبناني والحفاظ على هوية لبنان وعروبته.

المؤتمر الوطني في الذكرى الثالثة والثلاثين لابرام اتفاق الطائف
المؤتمر الوطني في الذكرى الثالثة والثلاثين لابرام اتفاق الطائف

موسى الصدر نهجاً

اختار السفير بخاري أن يكون عابراً للطوائف، وأعطى للإمام موسى الصدر اهتماماً واسعاً، بالتنسيق مع شقيقة الامام السيدة رباب الصدر من خلال ندوات بعنوان “الإمام موسى الصدر نهج واعتدال”، حاول من خلالها استذكار مواقف الإمام الصدر مع اندلاع الحرب اللبنانية في 13 نيسان 1975، معتبراً أنّ “الإمام المغيّب أحب العرب جميعاً وعمل على التقارب بينهم، وأن نظرته للمسلمين كانت نظرة وحدوية ترتقي بالإسلام إلى معاني الوحدة والحضارة، وسعى في حركته إلى تلاقي المسلمين وليس للفرقة، وذلك انسجاماً مع نهجه القائم اليوم والمستمر من خلال المؤمنين به والمؤتمنين عليه”.

السفير السعودي والسيدة رباب الصدر
السفير السعودي والسيدة رباب الصدر
ندوة "الامام الصدر نهج واعتدال"
ندوة “الامام الصدر نهج واعتدال”

إنفتاح طائفي شامل

وركزت دعوات السفير بخاري على العيش الواحد، فزار دار الفتوى وبكركي والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، وشدّد بخاري خلال احتفالية “علاقة البطريركية المارونية بالسعودية” على عمق العلاقة بين المملكة العربية السعودية والبطريركية المارونية، مشيراً إلى دور المملكة في نشر ثقافة السلام ومد جسور الوسطية والاعتدال وتعزيز سبل التعايش وحفظ كرامة الإنسان، معرباً عن أمله بأن يُغلّب الأفرقاء السياسيون المصلحة اللبنانية العليا لمواجهة التحديات التي يعيشها لبنان.

السفير السعودي السابق في لبنان وليد البخاري ومفتي الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان
السفير السعودي ومفتي الجمهورية اللبنانية عبد اللطيف دريان
السفير السعودي السابق في لبنان وليد بخاري ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب
السفير السعودي ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب
السفير السعودي السابق في لبنان وليد بخاري والبطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي
السفير السعودي والبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي

حضور إنساني وإغاثي ممتد

ومن معرض “الذاكرة الدبلوماسية اللبنانية – السعودية” بعنوان “شواهد نابضة”، إلى المبادرات الصحية والإنسانية، كمركز غسيل الكلى ومركز الرياض الطبي في مستشفى المقاصد، أكّد بخاري أن المملكة كانت وستبقى في خدمة الإنسان أينما كان.

حضور في كل لبنان

ومن الجنوب إلى البقاع وبيروت والشمال، لم تغب منطقة لبنانية عن الاهتمام السعودي، كما لم ينسَ النازحين السوريين والفلسطينيين. ومن أبرز محطاته قصة الطفلة سمية ذات الفستان الأزرق في أحد مخيمات برالياس، حيث لبّى نداءها، وقدّمت المملكة عبر مركز الملك سلمان عشرات آلاف الحقائب المدرسية والملابس الشتوية دعماً للأطفال والتعليم الأساسي في لبنان. كذلك زار طريق الجديدة ووادي خالد وطرابلس وجبل محسن وزحلة وكسروان وبيروت، مؤكداً أن كل لبنان كان حاضراً في وجدانه واهتمامه. وعايش السفير السعودي عهدَي رئيسَي الجمهورية ميشال عون وجوزاف عون، كما واكب الفراغ الرئاسي والدور الذي لعبه ضمن اللجنة الخماسية، وتعامل مع رؤساء حكومات عدّة، من تمام سلام إلى سعد الحريري وحسان دياب ونجيب ميقاتي وصولاً إلى نواف سلام.

السفير السعودي السابق في لبنان وليد بخاري في مخيم للنازحين
السفير السعودي في مخيم للنازحين
السفير السعودي السابق في لبنان وليد بخاري مع العشائر العربية
السفير السعودي مع العشائر العربية
السفير السعودي السابق في لبنان وليد بخاري ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ علي قدور
السفير السعودي ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ علي قدور

إدارة أزمات متراكمة

وكل تلك السنوات تخللها أزمات كبرى، من احتجاجات 17 تشرين في لبنان إلى جائحة كوفيد-19، حيث نزل إلى مطار رفيق الحريري الدولي لمتابعة أوضاع السعوديين وتوديع العائدين إلى المملكة ضمن الرحلات الاستثنائية. كذلك واكب انفجار مرفأ بيروت ووقف إلى جانب أهالي الضحايا، إلى الأزمات المتوترة بين لبنان ودول الخليج نتيجة تصريحات الوزراء اللبنانيين، وملف تهريب الكبتاغون، وخطف سعوديين مقابل فدية، إذ تعامل مع كل هذه الأزمات بهدوء، وكان في كل محطة يؤكد ضرورة حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء أي هيمنة على القرار اللبناني. كما واكب حرب إسناد غزة عام 2024 والحرب الأخيرة عام 2026، وطبّق توجيهات المملكة العربية السعودية من خلال جسور الإغاثة والمساعدات الإنسانية. وبناءً على توجيهات القيادة السعودية، عمل أيضاً على توقيع مذكرة تعاون بين مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والهيئة العليا للإغاثة اللبنانية لتنفيذ مشاريع إنسانية في مختلف المناطق اللبنانية، إضافة إلى متابعة أكثر من 22 اتفاقية تعاون بين لبنان والسعودية.

السفير السعودي في لبنان وليد بخاري وجسر الاغاثة
السفير السعودي وجسر الاغاثة
توقيع مذكرة تعاون بين مركز الملك سلمان والحكومة اللبنانية
توقيع مذكرة تعاون بين مركز الملك سلمان والحكومة اللبنانية
السفير السعودي في مطار رفيق الحريري الدولي خلال جائحة كورونا
السفير السعودي في مطار رفيق الحريري الدولي خلال جائحة كورونا

دبلوماسية بلا صخب

اذاً، يمكن القول إن تجربة بخاري في لبنان لم تُقرأ فقط من زاوية النشاط الدبلوماسي التقليدي، بل من زاوية إدارة حضور سياسي-إنساني في بيئة شديدة التعقيد. بين المبادرة والرسالة، وبين الصمت الإعلامي والحركة الميدانية، شكّل هذا الحضور جزءاً من مشهد العلاقات اللبنانية – السعودية في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان الحديث، مرحلة ما زالت تداعياتها مستمرة حتى اليوم.

شارك المقال