في مدينةٍ اعتادت أن تُعرَف بواجهتها البحرية النابضة بالحياة، وبمشهدها السياحي والرياضي المميّز، تبدو منطقة البيال اليوم بصورة مختلفة عمّا كانت عليه. فالمكان الذي شكّل لسنوات مساحةً للترفيه والفعاليات، بات يرزح تحت وطأة نزوحٍ متزايد، حتى غلبت عليه مشاهد الخيم المنتشرة على امتداد الواجهة، في تحوّلٍ بصريٍّ لافتٍ غيّر هوية المكان وأضفى عليه طابعاً طارئاً لم يألفه سكان العاصمة.
ورغم تفهّم الظروف الإنسانية الصعبة التي دفعت العديد من العائلات إلى اللجوء إلى هذه البقعة، إلا أنّ الإشكالية برزت مع رفض عددٍ من النازحين الانتقال إلى مواقع بديلة جرى تجهيزها، وفي مقدّمها المدينة الرياضية. هذا الرفض استند، بحسب بعضهم، إلى مخاوف أمنية مرتبطة بتهديدات إسرائيلية سابقة، فيما أشار آخرون إلى قيودٍ مفروضة داخل مراكز الإيواء.
في المقابل، شدّدت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، خلال جولةٍ تفقدية على المدينة الرياضية، على أنّ هذه المخاوف لا تستند إلى معطيات دقيقة، مؤكدةً أنّ المركز مؤمَّن من قبل الجيش اللبناني، وتتوفر فيه الخدمات الأساسية من غذاء ورعاية صحية ومرافق صحية، ما يجعله بيئةً أكثر أماناً واستقراراً، خصوصاً للأطفال.
وبين هواجس النازحين من جهة، والجهود الرسمية الرامية إلى تنظيم وجودهم وتأمين ظروفٍ أفضل لهم من جهةٍ أخرى، يبقى المشهد معقّداً، ويحتاج إلى مقاربةٍ متوازنة تراعي البعد الإنساني من دون إغفال المصلحة العامة وتنظيم استخدام المرافق الحيوية في العاصمة.
في هذا السياق، كشف محافظ مدينة بيروت القاضي مروان عبود، في حديثٍ لموقع “لبنان الكبير”، أنّ الاتصالات مستمرة مع وزيرة الشؤون الاجتماعية لمعالجة ملف القاطنين في الواجهة البحرية لمنطقة “البيال”، والعمل على نقلهم إلى مكانٍ بديل، لا سيما مع اقتراب الموسم الصيفي.
وأشار عبود إلى أنّ الوزيرة السيد بذلت جهوداً في إطارٍ إنساني واجتماعي لإقناعهم بالانتقال، إلا أنّهم لا يزالون يرفضون مغادرة الموقع حتى الآن. ولفت إلى أنّ أوضاعهم “صعبة وحساسة”، ما يفرض التعاطي مع هذا الملف بهدوءٍ ورويّة، وبأسلوبٍ يضمن كرامتهم ويُسهِّل الوصول إلى حلٍّ عملي.
وختم بالتأكيد أنّ العمل لا يزال جارياً لإيجاد مخرجٍ مناسب، مع السعي لنقل القاطنين في “البيال” إلى موقعٍ بديل قبل انطلاق فصل الصيف، بما يوازن بين احتياجاتهم الإنسانية ومتطلبات المدينة.
تحرّك أصحاب المطاعم والملاهي الليلية على الواجهة البحرية في “البيال” في أكثر من اتجاه، مطالبين بإخلاء النازحين وخيمهم المنصوبة في المنطقة، تمهيداً لإعادة الحياة إلى ما يصفونه بـ“دورتها الطبيعية” من سهرٍ وأنشطةٍ ترفيهية، مع التشديد على ضرورة تأمين بدائل إنسانية لائقة لهؤلاء.
في هذا الإطار، أكّد رئيس اتحاد النقابات السياحية بيار الأشقر، في حديثٍ لموقع “لبنان الكبير”، أنّ تواجد النازحين في “البيال” ترك انعكاساتٍ سلبية واضحة على الحركة السياحية، ولا سيما في ظل انتشار الخيم التي غيّرت طبيعة المكان ووظيفته الأساسية.
وأشار الأشقر إلى أنّ اللبنانيين يتضامنون بطبيعتهم مع المتضررين، وهو ما انعكس على سلوكهم، إذ تراجع الإقبال على المطاعم والمقاهي في المنطقة تضامناً مع أوضاع النازحين الصعبة داخل الخيم.
وأوضح أنّ أصحاب المؤسسات السياحية بدأوا يلمسون هذا التراجع بشكلٍ مباشر، لافتاً إلى أنّ المشهد القائم يخلق تناقضاً مؤلماً بين أجواء السهر والترفيه من جهة، وواقع العائلات المهجّرة التي تعيش ظروفاً معيشية قاسية من جهةٍ أخرى، ما يدفع كثيرين إلى الابتعاد عن المكان.
وكشف الأشقر عن تحرّكٍ لأصحاب المطاعم والمؤسسات السياحية في “البيال”، مشيراً إلى أنّهم يطالبون بمعالجة هذا الواقع بطريقةٍ تحفظ كرامة النازحين وتعيد للمنطقة دورها، من خلال نقلهم إلى أماكن أكثر ملاءمةً وتجهيزاً.
وشدّد على أنّ الحل لا يكون بترك العائلات في خيمٍ تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، بل بتأمين مراكز إيواء أفضل تضمن لهم ظروفاً إنسانية لائقة، بما يخفّف أيضاً من وطأة الأزمة على القطاع السياحي ويعيد التوازن إلى الواجهة البحرية للعاصمة.
“مخيم البيال” يفرض نفسه على الواجهة البحرية… والمحافظ لـ“لبنان الكبير”: نعمل على نقلهم قريباً


