يُصاب الطرابلسيّون بالذهول كلّما سمعوا تصريحًا جديدًا للنّائب فيصل كرامي، الذي يبدو متحمّسًا خلال الفترة الأخيرة، لإطلاق تصريحات يعجز العلماء عن تفسيرها أو تحليلها، كما يبدو حريصًا على إحياء ذكرى عمّه “المحنّك” سياسيًا، الشهيد رشيد كرامي، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، داعيًا مناصريه إلى المشاركة في فعاليات الذكرى يوم الأحد المقبل في باحة معرض رشيد كرامي الدّولي.
بداية، شابت هذه الذكرى التي يُوليها كرامي اهتمامًا غير معهود، سقطة لافتة ومثيرة للجدل، إذْ عُلّقت عند مدخل المعرض لافتة صادرة عن “تيّار الكرامة” تحمل عبارة أثارت تساؤلات عديدة، تقول: “لن ننسى الرّشيد، وبشّر القاتل بالقتل!!!”. في الواقع، تُعدّ هذه العبارة ثغرة، أو “سقطة” في مسيرة هذا النّائب الذي يطمح لرئاسة الحكومة، وتطرح تساؤلًا حول سقوطه في فخّ محاولته التصويب على من يتّهمه بمقتل الرّشيد العام 1987، أيّ رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع.
وفي مقابلته مع قناة “الجديد” منذ يوميْن، أوحى كرامي في تصريحاته بأنّه لا يستغلّ دماء عمّه، على الرّغم من أنّ اللافتة المرفوعة تُثبت عكس ذلك. وحين سألته الإعلامية سمر أبو خليل عمّا يُشاع سنويًا حول مبالغته في إحياء هذه المناسبة، لشدّ العصب أو لمنفعة انتخابية، تساءل مستنكرًا: أين استعملنا الدّم لمنافع سياسية؟ ولعلّ “الأفندي” تناسى أنّه جعل من دماء عمّه ركيزة لحملته الانتخابية العام 2022، مركّزًا هجومه حينها على النّائب أشرف ريفي بعد تحالفه مع “القوّات اللبنانية”.
في هذا السياق، ترى الأوساط السياسية أنّه لولا إرث عمّ كرامي و”كْرامة” جدّه ووالده، لما وصل إلى النّيابة أوّلًا، ولما حظيَ بمقابلة منذ أيّام سُلّط الضوء فيها على تاريخ عائلته السياسيّ أكثر من شخصه ثانيًا.
اليوم، يُكمل كرامي مسيرة قائمة على أمجاد “الأفندية”، لكن بهوى جديد، يتّسم بالحماس، التكويعات، والتأرجح دون خجل من حليفه الذي دعمه علنًا لأعوام خصوصًا انتخابيًا لتعزيز حصّته. ومع ذلك، لم يستثمر كرامي جيّدًا تحالفه مع قوى 8 آذار، حتّى بعد انكفاء بعض السياسيين الطرابلسيين أو السنّة في مراحل مختلفة، كما لم يُقدّر بالشكل الكافي المبادرة التي قدّمها الأمين العام السابق لحزب الله السيّد حسن نصر الله، بمنحه مقعدًا شيعيًا للتوزير. وفي هذا السياق، جاء ردّ النّائب إيهاب مطر منذ ساعات، تعقيبًا على تصريحات كرامي التي أكّدت ضعف العلاقة بيْنهما، ليكشف ما يُخفيه كرامي عن الطرابلسيين، إذْ تطرّق مطر إلى المخصّص المالي الذي طلبه كرامي من “حزب الله” قبل تكويعته، مؤكّدًا أنّ استمراره في هذا النّهج بعد العام 2006، يُعدّ خطأ فاحًا، خصوصًا مع تيقّن الجميع بأنّ الحزب يقود لبنان نحو المأساة. وتتضاعف علامات الاستفهام حول موقف كرامي، لا سيما مع صمته المريب إزاء إساءة نصر الله للسعودية والملك سلمان بن عبد العزيز العام 2019 حين قال: “أنا لا أحبّ الملك سلمان، وأكرهه من أعماق قلبي”، واستمراره على هذا النّهج حتّى استشهاد نصر الله.
من هنا، يجد الطرابلسيّ نفسه أمام تناقض واضح في مواقف كرامي تحديدًا، لا سيّما في ظلّ تمسّكه هذا العام بإحياء ذكرى عمّه، لا لمنفعة سياسية فحسب، بل لـ “تجرة” سياسية لا لبس فيها، أطلق من خلالها مواقف ادّعى فيها أنّه يثأر لعمّه الذي استشهد منذ 39 عامًا. ولكن ألا يوجد في محيط رئيس الحكومة الأسبق، صاحب الحنكة السياسية، رجل رشيد ينصح ابن أخيه ليكون فاصلًا حقيقًا بيْن الحقّ والباطل؟


