«الانتصار المشترك»؛ مصطلح هجين ومبتكر دخل أدبيات عالم السياسة، أتت به حروب الشرق الأوسط التي تمثل إسرائيل طرفاً دائماً في معادلاتها. وبموجب هذا المصطلح التخديري، يستطيع كل طرف انخرط في القتال تأليف روايته الخاصة —أو ما يُعرف بـ«السردية»— ليسوّقها لجمهوره المغيّب، تجنباً لأي مساءلة شعبية أو قانونية عن حجم الخسائر الفادحة التي مُني بها. كما أن هذه السرديات تمنح الأنظمة ضمانة أكيدة لمواصلة الجلوس على عروش الحكم والقيادة، بحجة معالجة آثار الحرب والإعداد للمستقبل؛ ذلك المستقبل الذي يبدأ دائماً بـ«إعادة الإعمار»، أي ترميم ما دمّرته الآلة الحربية من قرى ومناطق ومبانٍ، دون أي ذكر —كالعادة— لبناء الإنسان!
وبعيداً عن العموميات، وبالإسقاط على المواجهة الراهنة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران وحزب الله من جهة أخرى، يقف العالم اليوم بينهما متفرجاً، كحكمٍ في مباراة ملاكمة أو جولة «مصارعة حرة» لا تنتهي.
في الحرب العالمية الثانية —وهي آخر الحروب العالمية الكلاسيكية الكبرى— كانت النتائج واضحة وحاسمة لا تقبل التأويل: منتصرٌ مكتملُ شروط النصر، ومهزومٌ مستوفٍ لشروط الهزيمة الساحقة؛ حيث جلس المنتصر مع شركائه على مائدة تقاسم ثمار النصر والنفوذ، وتوارى المهزوم منتحراً أو مستسلماً لا يلوي على شيء. وعلى أنقاض ذلك الوضوح ولد عالم جديد، يُدار بمعادلات دقيقة وسط صراعات متجددة.
لكن منذ الحرب العالمية الثانية وحتى أيامنا هذه، انزلق العالم نحو صراع النفوذ الكوني بين المعسكرين الشرقي والغربي، مع الوقوع في أتون حروب إقليمية —كبيرة وصغيرة— نجح العالم في لجمها كي لا تتحول إلى حرب كونية ثالثة، رغم الوقوف على حافتها الحارقة أكثر من مرة! حدث ذلك في فيتنام، وأفغانستان، وحروب الشرق الأوسط، وأزمة الصواريخ السوفيتية في كوبا، وكاد ذلك يحدث في الصراعات الأخيرة الجارية!
والخلاصة التاريخية هنا واضحة: الحروب التي أدت إلى نتائج حاسمة توقفت نهائياً، أما الحروب التي اعتمدت أطرافها صيغة «النصر المشترك» فما زالت وستبقى مشتعلة إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
فحرب حزيران عام 1967، والتي اندلعت بعد تسعة عشر عاماً من نكبة 1948، انتهت بـ«نصر مشترك» تحدثت عنه أطراف الحرب. إسرائيل تحدثت عن نصر ناجز تجسّد واقعاً باحتلالها أضعاف أضعاف مساحتها من الأراضي العربية في مصر وسوريا والأردن، فضلاً عن الضفة الغربية والقدس التي سارعت إلى إطلاق اسم «أورشليم» عليها معلنةً إياها عاصمة موحدة وأبدية لكيانها. وفي المقابل، تحدث العرب —الذين خسروا مساحات شاسعة من الأرض وآلاف الضحايا— عن «نصر حتمي مؤجل» بروايات متعددة؛ فمصر أعلنت على لسان رئيسها أن «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة» ورفعت لاءات «لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف»، وهو ما كان بمثابة إعلان لانتصار الإرادة دون الإقرار بالهزيمة. أما في سوريا، فقد سادت الرواية الرسمية القائمة على فكرة «فشل العدوان في تحقيق أهم أهدافه»، والمتمثلة في إسقاط النظام الثوري؛ وهو النظام الذي حكم البلاد لعقود طويلة بكل «ثورية»، وظلت سرديته الممتدة منذ عام 1967 تُقنع الجماهير بأن البقاء في الحكم هو بحد ذاته النصر، بانتظار استعادة ما ضاع!
واليوم، يعيد «النصر المشترك» استنساخ نفسه في الحرب على غزة، التي أطلق عليها نتنياهو اسم «حرب القيامة»، زاعماً أن إسرائيل ستنهض منها أقوى مما كانت. ورغم إخفاقه في تحقيق النصر المطلق الذي وعد به مستوطنيه، فقد اعتبر نفسه منتصراً بفعل التدمير الشامل والإبادة في غزة، وكذلك الحال في لبنان طبعاً، ناهيك عن نجاح الطيران الإسرائيلي في ضرب أهداف بعيدة في إيران والعراق واليمن، دون إغفال تلميحاته المتبجحة بأنه أسقط النظام في سوريا وكان في طريقه إلى إسقاط النظام في إيران لولا «زحمة السير» السياسية!
ولا تنتهي حكاية النصر المشترك عند هذا الحد؛ ففي الميزان الإيراني جرى تسويق مبكر للنتائج على الطريقة السورية لعام 1967: «عدم سقوط النظام هو النصر الحتمي، بل والإلهي». ولا يفوت الخطابَ هناك إضافةُ بند جوهري إلى قائمة المكاسب، وهو التأكيد على أن المرشد بصحة جيدة!
أما على الصعيد الأمريكي، فما دام دونالد ترامب رئيساً في البيت الأبيض، فإن النصر سيبقى ظلاً ملازماً له في الداخل والخارج. ويجب ألا ننسى —وفق سرديته— أن العالم قبل فوزه بالولاية الثانية كان يعيش على حافة الفناء الحتمي، إلى أن أرسلته العناية الإلهية وتدخلت الأقدار لإنقاذه؛ وقد فعل ذلك وسيفعل، وليس مهماً بعد ذلك من هو المفعول به في هذه المعادلة الكونية…
إن مراجعة سريعة لكل الحروب الدائرة الآن تأخذك حتماً إلى فكرة «انتصار الجميع»، حيث يملك كل طرف أسهماً في بورصة هذا النصر المزعوم! أما الحرب المستترة والمستمرة بين أمريكا وإيران، فبالتوازي مع الإعداد لميدانها، جرى مسبقاً طبخ روايات النصر؛ حيث لا مهزوم فيها فوق المنصات، بينما المهزوم الحقيقي الوحيد هو ذلك الإنسان الذي يئن وينزف تحت عصفها، ويقتله الخوف من القادم المجهول!
إنه الشرق الأوسط.. الإقليم المتفرد عالمياً بإنتاج العجائب والغرائب والمفارقات، وبلد البدايات الدامية التي لا نهايات لها!
الانتصارات المشتركة


