عندما يكون الأب فلذة كبد إبنته!

د. نسب نصوح مرعب

رحمك الله يا أبي… كيف لي أن أنهض بدون إشراقك، وكيف لي أن أجتاز الحياة بدون الإمساك بيدك؟ كيف أرثيك وأنا بعضك وأنت كلّي. كيف أرثيك وأنت تسكن فؤادي المعتصر والمفطور على غيابك شوقاً وحاجة وتعلّقاً.

كنت جبلي يا أبي وقمتي التي لم أبلغ منتهاها. أينما ذهبتُ كنت بوّابة عبوري إلى الدنيا وناسها، وأرجو أن تكون بوابة عبوري إلى الآخرة. كان يكفي أن أذكر اسمك لترافقني هيبة خفية صلبة الجذور. إنّ كوني إبنتك أعطاني مكانة حتى في عزّ زهدك وعزلتك.

ولدتُ وأنتَ في عامك الأربعين، حين بدأت الدنيا تحرمك لذّتها وحين إنكشف لك زيفها. لقد كنت يا أبي أحياناً وببراءة الملهوف أشعر أن ذروة مجدك فاتتني. ولكن اليوم أدركت جوهر الوجود وحقيقته.

عاصرتَ الرؤساء والوزراء والسفراء وجلت عواصم العالم، لكنك رحلت في بيت متواضع مع الدروايش والبسطاء الذين أحببتهم وأكرمتهم في سبيل الله وحده.

كنت تروي لي وأنا صغيرة عندما أنام بقربك قصصاً تؤلّفها لي عن الديناصورات، كل قصصك كانت عنها ربما لأن العمالقة والكبار في خواطر خيالك.

أكتب والدمع ينهمر مني وقد بلّل الأوراق يا أبي، يا مداد قلمي أنت، وكم كنت تحب أن تشتري لي دوماً الأقلام الزرقاء وتختارها لي بعناية.

إحتفظت بتفاصيلي أكثر مني، وكيف أنسى أنك كنت تحتفظ بأول حذاء قطني إرتديته وأنا رضيعة في علبة مخملية وكأنه كنز ثمين، فأين قدمك أقبّلها كل يوم يا أبي، لكن عدني أن لا ترحل عني…

لا أنسى يوم مناقشة الماجستير عندما كنت تجول بين كليات الجامعة وطوابقها لتوزيع الحلوى. كان فرحك جميلاً ومذهلاً يا أبي وأظن أنها أكثر مرة أراك فيها بسعادة مماثلة.

وكيف لي أن أنسى الساعات الطويلة التي كنت تقضيها في السيارة وأنت تنتظرني، عندما كنت أحضر الندوات في معهد الدكتوراه في سن الفيل.

كيف أمشي الآن يا أبي وأنا التي لم أحفظ طريقاً لثقتي الكاملة أنني سأسلك كل الطرقات معك يا أبي.

لا يغيب عن بالي أول مقال نُشر لي في الجريدة وأنا في مرحلة التدريب، فإشتريت عشرات الأعداد الورقية لتوزيعها على الأقارب، ومنك تعلّمت السياسة والكتابة والتفكير يا أبي.

الرفيق أنت والسند أنت…أنت الحب والخوف معاً…نعم كنت أخاف من إرتكاب الأخطاء لكي لا أغضبك، أما الحب فقد دفتنه إلى الأبد مع ثراك الطيب يا أبي.

شارك المقال